تحقيقات

البرهان والحوار السوداني.. مبادرة وطنية أم بوابة لترسيخ السلطة؟


من جدة مرورًا بجنيف إلى المنامة، مبادرات إقليمية ودولية انطلقت بهدف وقف الحرب في السودان، إلا أن معظمها تعثر بسبب رفض الجيش أو انسحابه واتهامه الوسطاء بالانحياز.

ومع كل مبادرة جديدة، تتكرر النتيجة نفسها، رفض ثم إفشال أية جهود، من شأنها تبريد النزاع، أو انتزاع هدنة ولو لأشهر معدودة، شاهرًا الحل العسكري، كخيار أوحد لإنهاء حرب، أشعل حلفاؤه من الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية جذوتها ونفخوا في كيرها.

ورغم ذلك، أطلق عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني، دعوة لحوار سوداني-سوداني داخل السودان، لاقت انتقادات من الفاعلين المحليين، الذين اعتبروها محاولة لترسيخ سلطته، وإعادة الإخوان إلى قلب المشهد في ثوب جديد، والالتفاف على العقوبات الأمريكية التي طالت الجماعة وبعض عناصرها البارزين.

تلم الدعوة، انتقدها رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، موجها انتقادات لخطاب البرهان، قائلا إن خيار الحل السياسي لا يتسق مع خطاب الحرب واحتكار تعريف «أصحاب الوجعة».

وكان البرهان قال إن هناك ترتيبات جارية لإطلاق حوار سياسي شامل داخل البلاد، سيشارك فيه من وصفهم بـ«أهل الوجعة».

إلا أن الدقير، قال في تدوينة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن السودان لا يمكن أن يبقى موحدًا وقابلًا لإعادة بنائه الوطني على أسس جديدة يتراضى عليها أهله كافة، إلا بنبذ خيار العنف واعتماد الحل السياسي السلمي التوافقي.

الدعوة في ميزان الخبراء

وإلى ذلك، يقول المحلل السياسي السوداني حافظ كبير إن الدعوة لحوار سياسي في الداخل، يعني بالضرورة عملية سياسية متحكم فيها من قبل الفاعلين في الداخل، خاصة وأن موازين القوة تميل داخليا لصالح من يسيطر على هياكل الدولة، ومن يملك مليشيات مسلحة تهيمين على الفضاء السياسي والمدني، مشيرًا إلى أن الذي يسيطر بصورة حاسمة على الأوضاع داخليا هو تنظيم الإخوان المدرج في قوائم الإرهاب.

«وفي ظل الظروف الحالية، التي لا تتوفر فيها أدنى مقومات العمل السياسي والمدني أو الاعلامي، خاصة الحريات السياسية والإعلامية، فإنه لا يمكن تصور عملية سياسية، أو حوار سياسي موثوق فيه»، يضيف المحلل السياسي السوداني.

وأوضح، أن كل ذلك يعني أن «البرهان يسعى لإجهاض المبادرات الحقيقية التي يمكن أن تضع حلا جذريا لأزمة السودان السياسية، في محاولة للعب بمستقبل السودانيين، بعد العبث بحاضرهم، من أجل البقاء أطول فترة ممكنة في كرسي السلطة»، مشيرًا إلى أن ذلك يأتي بهدف استمرار الأوضاع القديمة التي يسيطر فيها تنظيم الإخوان على مفاصل الدولة ومقدراتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

وحول السيناريوهات المحتملة، قال المحلل السياسي السوداني، إن السيناريو الأكثر توقعا، هو أن يكون عملية مستنسخة من الحوار الوطني الذي نظمه النظام القديم، عندما واجه رياح التغيير في سبتمبر/أيلول 2013، والذي دعا خلاله -آنذاك- الرئيس المعزول عمر البشير إلى حوار، واعترف بالأزمة، لكنه لم يكن جادا في تهيئة بيئة صالحة للحوار السياسي، ولا يملك إرادة تمكنه من تطبيق ما يمكن أن يخرج عن هذا الحوار.

وأشار إلى أن البرهان كذلك يحاول أن يخفف الضغط السياسي عليه، بـ«مسلسل رديء الإخراج، ليقول للرأي العام الداخلي والخارجي أنه أجرى حوارا سياسيا، وأن ما سيفعله مستقبلا مبنيٌ على شرعية سياسية، وهذا وهم لا يمكن أن ينطلي على قوى التغيير الواعية بجذور أزمة البلاد، وكذلك التي تعرف ما ينوي البرهان فعله، وخاصة وأنه كانت أمامه مبادرة سياسية مقدمة من حمدوك، رئيس وزراء حكومة الثورة، فأجهضها بانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021م، ومرة أخرى أجهض مبادرة سياسية أوشكت على نهايتها بتوقيع الاتفاق الإطاري، ثم أشعل الحرب لقطع الطريق أمام نتائجها».

وبحسب المحلل السياسي السوداني، فإن «رجلا بهذا السجل من التراجع عن المواثيق والعهود، لا يمكن الوثوق به ولا بمصداقيته في الدعوة لأي عملية سياسية أو حوار مثمر»، على حد قوله.

سلسلة من الإخفاقات

وبحسب مراقبين سودانيين، شكل التدخل السري لتنظيم الإخوان في اختطاف قرارات الجيش السوداني، عنواناً بارزاً وراء كل الإخفاقات السابقة التي صاحبت تاريخ المبادرات الدولية والإقليمية لإنهاء النزاع في السودان.

واستدل عدد من المراقبين بأن قيادات الجيش السوداني أفشلت إثر انصياعها لرغبة التنظيم الإخواني، كل الجهود الدولية والإقليمية السابقة، في “جدة” و”المنامة” و”سويسرا”، ومما ساهم في إطالة أمد الحرب واتساع رقعتها في السودان.

وفي وتصريحات قال المحلل السياسي السوداني فايز السليك، إن: «غياب الإرادة المستقلة لقيادات الجيش السوداني عن أجندة التنظيم الإخواني، يمثل أكبر عائق أمام أي جهود لإنهاء الحرب، لارتباط ذلك بمستقبل التنظيم وتشكيل المشهد لما بعد الحرب».

وأوضح، أن «هذه الحرب أشعلها التنظيم الإخواني بهدف إعادة ترسيم المشهد السياسي بالدماء، لذلك لن يقبل التنظيم الإخواني أي وقف للحرب لا يعيد الأوضاع لما قبل أبريل/نيسان 2019 (تاريخ سقوط نظام الإخوان عبر ثورة شعبية في السودان)». مؤكداً أن «تنظيم الإخوان المسيطر تماماً على الجيش السوداني وقراراته، ومليشياته النخرطة في القتال في صف الجيش، يضعان كل العقبات في طريق أي مبادرة لوقف الحرب».

وأشار السليك إلى دور تنظيم الإخوان في إفشال الجهود الدولية والإقليمية السابقة، عبر «تحريك مواقف قيادة الجيش، باتجاه الهروب من أي التزامات قد تتمخض من تلك المبادرات».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى