ملفات

تفكك صامت داخل معسكر بورتسودان.. هل أصبحت كتيبة البراء بن مالك عبئاً على حلفائها؟


خلافات القيادة والعقوبات الغربية وملف انتهاكات ود مدني والجزيرة تفتح أسئلة صعبة حول مستقبل التشكيلات المسلحة، وحدود قدرة السلطة على احتواء المجموعات التي اكتسبت نفوذاً واسعاً خلال الحرب

تتزايد التساؤلات حول مستقبل التشكيلات المسلحة التي برز نفوذها خلال الحرب السودانية، في ظل تقارير تتحدث عن خلافات داخلية حادة، وتراجع التفاهمات بين بعض القيادات العسكرية والإسلامية، إلى جانب تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالانتهاكات المنسوبة إلى أطراف النزاع. وفي قلب هذه التطورات، تبرز كتيبة «البراء بن مالك» بوصفها إحدى التشكيلات التي يحيط بمستقبلها الكثير من الغموض، وسط معلومات نقلتها مصادر سودانية مطلعة عن احتمال الاتجاه نحو تفكيكها بصورة غير معلنة، على خلفية خلافات بين قائدها أبي زيد طلحة المصباح وقيادات في الحركة الإسلامية.

وبحسب هذه المصادر، فإن التوترات لم تعد مرتبطة فقط بالخلاف حول إدارة العمليات العسكرية أو توزيع الأدوار في ساحات القتال، بل امتدت، وفق روايتها، إلى التنافس على النفوذ السياسي والمكاسب داخل السلطة القائمة في بورتسودان. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن بعض التشكيلات المسلحة التي اكتسبت حضوراً متزايداً خلال الحرب باتت تسعى إلى ترجمة دورها العسكري إلى نفوذ داخل مؤسسات الحكم، وهو ما يفتح الباب أمام صراعات جديدة بين حلفاء تجمعهم مواجهة خصم مشترك، لكنهم يختلفون بشأن مستقبل السلطة وتقاسم مكاسبها.

ومع ذلك، فإن الحديث عن قرار نهائي بحل كتيبة «البراء بن مالك» أو تفكيكها سراً لا يزال، وفق المعلومات المتاحة في الرواية الواردة، في نطاق ما تنقله المصادر، ولا يكفي وحده لإثبات صدور قرار رسمي أو بدء تنفيذ عملية تفكيك فعلية. لكن مجرد تداول هذه الاحتمالات يعكس حجم الأسئلة التي تفرضها طبيعة العلاقة بين التشكيلات المسلحة والسلطة السياسية والعسكرية في السودان، خصوصاً مع استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية وتزايد المطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

خلافات داخل المعسكر الواحد

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد خريطة القوى المسلحة محصورة في طرفين واضحين، بل تشكلت حول الجيش مجموعات وتشكيلات متعددة، تتفاوت في خلفياتها التنظيمية ومصالحها السياسية وطبيعة حضورها الميداني. وقد أدى اتساع الاعتماد على هذه التشكيلات إلى طرح تساؤلات حول حدود التنسيق بينها، ومدى خضوعها لقيادة موحدة، وقدرة المؤسسات العسكرية على فرض الانضباط على جميع العناصر التي تشارك في العمليات.

وفي هذا السياق، تكتسب التقارير عن الخلاف بين أبي زيد طلحة المصباح وقيادات الحركة الإسلامية أهمية خاصة، لأنها تضع العلاقة بين القيادة الميدانية والمرجعيات السياسية والتنظيمية أمام اختبار جديد. فإذا كانت بعض التشكيلات قد اكتسبت مكانتها من خلال مشاركتها في الحرب، فإن استمرار هذه المكانة قد يدفعها إلى المطالبة بدور أكبر في القرارات العسكرية والسياسية، وربما إلى السعي للحصول على مكاسب تتجاوز الدور الذي أُنشئت أو حُشدت من أجله.

وتشير المصادر الواردة في الرواية إلى أن كتيبة «البراء بن مالك» أصبحت، بحسب تقديرها، عبئاً على بعض القوى داخل معسكر بورتسودان، بسبب ما تصفه بأطماع في الحصول على نفوذ ومكاسب تنفيذية أكبر. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق بالضرورة برفض مشاركة الكتيبة في الحرب، وإنما بكيفية إدارة نفوذها، والجهة التي تملك سلطة تحديد مستقبلها، وحدود استقلالية قيادتها عن القوى السياسية والتنظيمية التي ارتبطت بها.

وتكشف هذه المسألة عن إشكالية تتجاوز الكتيبة نفسها. فالتشكيلات التي تنشأ في أجواء الحرب قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى مراكز نفوذ يصعب دمجها أو إخضاعها بالكامل، خصوصاً عندما تصبح لديها شبكات تعبئة وتمويل وعلاقات سياسية وقواعد اجتماعية خاصة بها. وعندما تتعارض مصالح هذه المجموعات مع حسابات الجهات التي دعمتها أو نسقت معها، يمكن أن تظهر الخلافات بصورة أكثر حدة، حتى داخل المعسكر الواحد.

ولا يعني ذلك أن كل خلاف داخلي يقود بالضرورة إلى التفكك، لكنه يجعل مستقبل التشكيلات المسلحة مرتبطاً بتوازنات متغيرة، وبقدرة القيادات على التوصل إلى تفاهمات بشأن الأدوار والصلاحيات والمكاسب. أما إذا تعذر الوصول إلى تسوية، فقد تلجأ الأطراف إلى إعادة توزيع المسؤوليات، أو تغيير القيادات، أو تقليص الظهور العلني لبعض التشكيلات، وهي احتمالات تحتاج كل منها إلى أدلة مستقلة قبل اعتبارها واقعاً قائماً.

سفر المصباح إلى ماليزيا.. مؤشر أم رواية تحتاج إلى التحقق؟

تربط المصادر التي نقلت المعلومات بشأن مستقبل الكتيبة بين الخلافات الداخلية وسفر قائدها أبي زيد طلحة المصباح إلى ماليزيا. ووفق هذه الرواية، جاء السفر في ظل توتر متصاعد مع قيادات في الحركة الإسلامية، وفي وقت باتت فيه الكتيبة تواجه ضغوطاً مرتبطة بمستقبل دورها داخل معسكر بورتسودان.

غير أن السفر، في حد ذاته، لا يشكل دليلاً كافياً على وجود قرار بإبعاد القائد أو حل التشكيل الذي يقوده. فإثبات العلاقة بين الخطوتين يتطلب معلومات موثوقة بشأن توقيت السفر وأسبابه، وطبيعة القرارات التي اتخذتها الجهات المعنية، وما إذا كانت هناك بالفعل إجراءات تنظيمية أو عسكرية تستهدف تغيير وضع الكتيبة.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الحروب غالباً ما تنتج روايات متنافسة عن مصير القيادات والتشكيلات، وقد تستخدم المعلومات غير المؤكدة في إطار الصراع السياسي والإعلامي. لذلك، فإن التمييز بين الوقائع المثبتة والتقديرات المنقولة يصبح ضرورياً لفهم حقيقة ما يجري، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات وتشكيلات لها حضور في نزاع مسلح مستمر.

لكن، إذا تأكد وجود خلافات بين المصباح وقيادات الحركة الإسلامية، فإن السؤال الأهم لن يكون مكان وجود القائد وحده، بل طبيعة العلاقة التي تربط الكتيبة بالجهات التي دعمت حضورها، ومدى قدرتها على الاستمرار إذا تغيرت التفاهمات السياسية أو التنظيمية التي استندت إليها.

هل يمكن للتشكيل أن يواصل أداء دوره بمعزل عن مرجعياته السابقة؟ وهل تمتلك قيادته استقلالية كافية لاتخاذ قراراتها بشأن الانتشار والتمويل والتجنيد؟ أم أن أي تحول في موقف القوى المؤثرة سيقود إلى إعادة هيكلة الكتيبة أو دمج عناصرها في تشكيلات أخرى؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر عندما يُطرح احتمال التفكيك غير المعلن. فالتفكيك الحقيقي لا يتحقق بمجرد تغيير اسم التشكيل أو إبعاد قائده عن الواجهة، وإنما يتطلب معرفة مصير عناصره وقياداته وموارده وشبكات الدعم المرتبطة به. وإذا استمرت هذه المكونات في العمل تحت مسميات مختلفة، فإن ما يحدث قد يكون إعادة ترتيب للنفوذ، وليس إنهاءً فعلياً للتشكيل.

العقوبات الغربية تضع القيادات أمام اختبار جديد

تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الضغوط الدولية المرتبطة بالانتهاكات المزعومة خلال الحرب السودانية. وتقول المصادر الواردة في النص إن الإجراءات الأخيرة شملت أبا زيد طلحة المصباح، إلى جانب شخصيات وقيادات عسكرية أخرى ارتبطت أسماؤها بأحداث ود مدني وولاية الجزيرة، فضلاً عن أسماء وردت في سياق الحديث عن انتهاكات في مناطق أخرى.

ومن بين الأسماء التي أوردتها الرواية صدق علي ود الباشا، الذي تصفه بأنه قيادي في كتيبة عبدالله جماع، واللواء عوض الكريم علي سعيد، واللواء عبد المنعم عبد الباسط، والعميد أحمد برير حاج أحمد، والنور أحمد آدم المعروف بلقب «القبة»، وعلي رزق الله المعروف بلقب «السافنا». غير أن تحديد طبيعة العقوبات المفروضة على كل شخص، والجهة التي أصدرتها، وأسبابها القانونية، يستلزم الرجوع إلى القرارات الرسمية ذات الصلة، وعدم التعامل مع ورود الأسماء في التقارير بوصفه إثباتاً مستقلاً للمسؤولية الجنائية.

وتشكل العقوبات الدولية إحدى الأدوات التي تستخدمها الحكومات والجهات الدولية للضغط على أطراف النزاعات، من خلال تقييد حركة الأفراد أو أصولهم المالية أو تعاملاتهم، وفق نوع الإجراء والولاية القانونية التي صدر بموجبها. وقد تكون لهذه الإجراءات آثار تتجاوز الشخص المستهدف، إذ يمكن أن تؤثر في علاقاته وشبكات دعمه، وتزيد كلفة التعامل معه بالنسبة إلى الجهات السياسية أو الاقتصادية المرتبطة به.

لكن تأثير العقوبات يظل متفاوتاً. فقد تفرض ضغوطاً على بعض القيادات، وتحد من قدرتها على الحركة أو الوصول إلى الموارد، بينما قد يظل أثرها محدوداً إذا لم تُنفذ بصرامة، أو إذا استطاع المستهدفون الالتفاف عليها، أو إذا لم تُرفق بتحقيقات وملاحقات قانونية عند توافر الأدلة اللازمة.

وتظهر المشكلة عندما تتحول العقوبات إلى نهاية للمسار بدلاً من أن تكون جزءاً منه. فإدراج أسماء جديدة على قوائم العقوبات لا يجيب وحده عن الأسئلة المتعلقة بطبيعة الانتهاكات، وتسلسل المسؤولية، ودور القيادات في إصدار الأوامر أو منع الجرائم أو التحقيق فيها. كما أن العقوبات لا تعوض الضحايا تلقائياً، ولا تعيد الممتلكات المنهوبة، ولا تضمن عدم تكرار الاعتداءات.

من هنا، يصبح معيار الفاعلية مرتبطاً بما إذا كانت الإجراءات الدولية ستدفع نحو تغيير ملموس في سلوك التشكيلات المسلحة، أم ستبقى مجرد رسائل سياسية لا تغير قواعد الاشتباك ولا تنهي الإفلات من العقاب.

ود مدني والجزيرة.. ملف لا يمكن تجاوزه

تحتل أحداث ود مدني وولاية الجزيرة مكانة حساسة في النقاش المتعلق بالانتهاكات خلال الحرب، نظراً إلى ما تضمنته التقارير والشهادات المتداولة عن اعتداءات على المدنيين، ومزاعم بشأن القتل والنهب والترويع خلال التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة.

وتشير الرواية الواردة إلى أن عدداً من القيادات العسكرية والميدانية ارتبطت أسماؤها بهذه الأحداث، مستندة إلى شهادات ناجين ومقاطع مصورة تقول إن التحقق منها أظهر صلة ببعض الوقائع. ومع ذلك، فإن تقييم الأدلة يحتاج إلى فحص مستقل يحدد زمان التصوير ومكانه، وهوية الأشخاص الظاهرين فيه، ومدى اكتمال التسجيلات، وما إذا كانت الوقائع الموثقة كافية لإثبات مسؤولية فردية محددة.

وتكتسب هذه الضوابط أهمية خاصة لأن الاتهام بارتكاب انتهاكات خطيرة لا ينبغي أن يُبنى على مجرد تداول اسم أو صورة أو مقطع مقتطع من سياقه. وفي المقابل، فإن غياب حكم قضائي نهائي لا يعني تجاهل الشهادات أو إهمال التحقيق فيها؛ بل يستدعي حفظ الأدلة، وحماية الشهود، وتوفير مسار مستقل يسمح بتحديد المسؤوليات وفق القانون.

بالنسبة إلى سكان ود مدني وقرى ولاية الجزيرة، لا تمثل القضية مجرد صراع على المناصب داخل المؤسسات العسكرية أو التنظيمية. إنها تتعلق بالأمان الشخصي، وحق الأسر في معرفة مصير ذويها، والقدرة على العودة إلى المنازل والحقول والأسواق، واستعادة الحياة الطبيعية بعد موجات النزوح والخوف.

وتؤدي مثل هذه الوقائع، عندما لا تخضع للتحقيق والمحاسبة، إلى تعميق انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية والقوى المسلحة الموجودة في محيطها. وقد تصبح آثارها طويلة الأمد، حتى بعد توقف القتال، لأن الشعور بالظلم وغياب العدالة يمكن أن يتحولا إلى مصدر جديد للتوتر والانتقام.

لهذا، فإن معالجة ملف الجزيرة لا ينبغي أن تقتصر على فرض عقوبات على عدد من القيادات، مهما كانت أهمية تلك الإجراءات. المطلوب هو بناء سجل موثق للانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وضمان وصول الضحايا إلى آليات العدالة، وعدم السماح بأن تتحول التحالفات السياسية أو العسكرية إلى وسيلة لحماية المتهمين من المساءلة.

كما أن التحقيقات الجادة يجب أن تميز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية القيادية، وأن تحدد ما إذا كانت الانتهاكات قد وقعت نتيجة تصرفات فردية، أو أوامر مباشرة، أو أنماط متكررة من السلوك، أو إخفاقات في منع الجرائم والتحقيق فيها. فهذه الفروق ضرورية لضمان عدالة الإجراءات، ولمنع استخدام الملف في تصفية الحسابات السياسية.

شبكة الخلافات تتجاوز كتيبة البراء

وفق المصادر الواردة في النص، لا تقتصر التوترات على العلاقة بين المصباح وقيادات الحركة الإسلامية، بل تشمل خلافات منسوبة إلى جبريل إبراهيم وعبد الفتاح البرهان، وتباينات بين كتيبة «البراء بن مالك» وأبو عاقلة كيكل، فضلاً عن توترات بين القوات المشتركة والقوات التابعة لمعسكر بورتسودان، وتقارير عن احتكاكات بين مجموعات من المقاتلين الإثيوبيين من إقليم تيغراي ومدنيين سودانيين في مناطق وجودهم.

وتحتاج هذه الادعاءات، كل على حدة، إلى التحقق من أطرافها وتوقيتها وطبيعة الخلافات المشار إليها. لكن جمعها في سياق واحد يطرح سؤالاً سياسياً أساسياً: إلى أي مدى يستطيع المعسكر الذي يضم الجيش وتشكيلات مسلحة وحركات سياسية متعددة الحفاظ على تماسكه في ظل اختلاف المصالح؟

فالتنسيق العسكري خلال الحرب لا يعني بالضرورة وجود مشروع سياسي مشترك بشأن مرحلة ما بعد الحرب. وقد تتفق أطراف مختلفة على مواجهة خصم واحد، لكنها تختلف حول شكل الحكم، وتوزيع السلطات، ومصير المقاتلين، وإدارة الموارد، ومن يملك القرار في المناطق التي تخضع لنفوذها.

وكلما طالت الحرب، ازدادت احتمالات تحول هذه الخلافات إلى صراعات على النفوذ. فالقيادات التي تتحمل تكاليف عسكرية وبشرية قد تطالب بمكاسب سياسية، بينما قد تسعى القوى المركزية إلى منع ظهور مراكز مستقلة للقرار. كما يمكن أن تنشأ خلافات حول الرواتب والإمدادات والتجنيد والانتشار، أو حول العلاقة بين المقاتلين والسلطات المدنية في المناطق المتأثرة بالنزاع.

ولا يعني ذلك أن جميع التشكيلات تتحرك بالطريقة نفسها، أو أن كل خلاف دليل على قرب الانهيار. غير أن تعدد مراكز القوة يفرض تحديات جدية على أي محاولة لبناء قيادة موحدة وخاضعة للمساءلة.

وتبرز هنا معضلة مزدوجة: فالإبقاء على التشكيلات كما هي قد يكرس تعدد مراكز القرار والسلاح، بينما يمكن أن يؤدي تفكيكها بصورة مفاجئة ومن دون خطة إلى خلق فراغ أمني، أو دفع عناصرها إلى الانضمام إلى مجموعات أخرى، أو انتقال الصراع من مستوى القيادة إلى مواجهات بين المقاتلين أنفسهم.

لذلك، فإن أي إعادة هيكلة جادة يجب أن تقوم على ترتيبات واضحة، تشمل تحديد المسؤوليات القيادية، ومراجعة السجلات، وضبط السلاح، ووضع آليات للدمج أو التسريح، ومنع إعادة تشكيل المجموعات نفسها تحت أسماء جديدة.

هل تتحول الكتيبة إلى عبء سياسي؟

يرى منتقدو التشكيلات المسلحة ذات الارتباطات السياسية والتنظيمية أن المشكلة لا تتعلق فقط بأدائها في الميدان، بل بإمكانية انتقال نفوذها العسكري إلى مؤسسات الدولة. فكلما أصبحت المجموعة المسلحة قادرة على التأثير في القرارات أو فرض مطالبها على السلطات، تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على احتكار القرار الأمني والعسكري.

ومن هذا المنظور، فإن الخلافات المنسوبة إلى كتيبة «البراء بن مالك» قد تعكس، إذا تأكدت، صراعاً على حدود النفوذ داخل المعسكر نفسه. فالسلطة التي تعتمد على تشكيلات متعددة لتحقيق أهداف عسكرية قد تجد نفسها لاحقاً أمام مطالب متعارضة من هذه التشكيلات، خصوصاً عندما يبدأ الحديث عن المناصب والموارد والترتيبات السياسية المستقبلية.

وقد يكون إبعاد قائد أو تقليص دور مجموعة ما محاولة لاحتواء هذا التنافس، لكنه لا يحل المشكلة إذا ظلت الأسباب التي أنتجتها قائمة. فإذا كانت جذور الأزمة تكمن في تعدد مراكز السلاح وغياب قواعد واضحة للمساءلة والقيادة، فإن تغيير الأشخاص لن يكون كافياً.

وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن أي حديث عن تفكيك الكتيبة يهدف بالضرورة إلى تضليل المجتمع الدولي أو تحسين الصورة الخارجية للسلطة، كما لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال من دون أدلة. فالحكم على النوايا يحتاج إلى مؤشرات عملية، أبرزها ما إذا كانت إجراءات التفكيك ستؤدي إلى إنهاء البنية المسلحة فعلاً، أم ستقتصر على تغيير الواجهة والقيادة.

ومن أهم المؤشرات التي يمكن مراقبتها: مصير العناصر الميدانية، والجهة التي ستتولى إدارة الأسلحة والموارد، وطبيعة الترتيبات الأمنية اللاحقة، ومدى توقف الأنشطة المرتبطة بالتشكيل، وما إذا كانت هناك تحقيقات مستقلة بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى بعض أفراده أو قياداته.

فإذا جرى حل التشكيل رسمياً، ثم انتقل أفراده وموارده وشبكات دعمه إلى مجموعة أخرى من دون مراجعة أو مساءلة، فلن يكون ذلك تفكيكاً بالمعنى الذي يطمح إليه المدنيون. أما إذا اقترنت إعادة الهيكلة بنزع السلاح غير القانوني، ومحاسبة المسؤولين، وضمان عدم إعادة إنتاج التشكيل تحت اسم جديد، فإنها قد تشكل خطوة نحو تقليص تعدد مراكز القوة.

تبديل الأسماء لا ينهي الأزمة

في تقييمه للعقوبات الغربية، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي عمار سعيد، وفق التصريحات الواردة في النص، أن فرض العقوبات على قيادات متهمة بالتورط في مجازر يمثل خطوة إيجابية، لكنه شدد على أنها لا تكفي ما دامت الحرب مستمرة والانتهاكات بحق المدنيين تتواصل.

وتقوم هذه الرؤية على أن العقوبات الفردية، مهما كانت مهمة، يمكن أن تفقد جزءاً من تأثيرها إذا لم يصاحبها تغيير في البيئة التي تسمح باستمرار الانتهاكات. فإذا كانت إحدى القيادات قادرة على مغادرة موقعها، وتسليم المسؤولية إلى شخصية أخرى، مع بقاء الهيكل التنظيمي والموارد وشبكات الدعم على حالها، فإن أثر العقوبة قد ينحصر في الشخص المستهدف، بدلاً من أن يمتد إلى البنية التي ساعدت على وقوع الانتهاكات أو استمرارها.

لكن القول إن استبدال القيادات يحدث دائماً بالطريقة نفسها يحتاج بدوره إلى أدلة. فبعض عمليات التغيير قد تكون حقيقية، وقد تقود إلى مراجعة السياسات أو وقف ممارسات ضارة، بينما تكون عمليات أخرى شكلية أو تهدف إلى حماية الشبكات القائمة. والفصل بين الحالتين لا يتحقق عبر التصريحات، بل من خلال متابعة النتائج الميدانية والمؤسسية.

ويؤكد هذا النقاش أن نجاح العقوبات ينبغي أن يُقاس بمؤشرات ملموسة: هل تراجعت الاعتداءات على المدنيين؟ هل توقفت أنماط الانتهاكات التي كانت موضع اتهام؟ هل أصبح الوصول إلى الأدلة والشهود أكثر سهولة؟ هل بدأت إجراءات قضائية مستقلة؟ وهل خضعت التشكيلات المسلحة لقواعد واضحة بشأن القيادة والمحاسبة؟

إذا لم تظهر نتائج من هذا النوع، فقد تظل العقوبات ذات قيمة رمزية وسياسية، لكنها لن تكون كافية وحدها لإنهاء معاناة السكان أو منع تكرار الجرائم.

وتبرز في هذا السياق أهمية التعاون الدولي في حفظ الأدلة، وتوثيق الانتهاكات، ودعم آليات التحقيق المستقلة، إلى جانب حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية. فالمحاسبة ليست بديلاً عن وقف الحرب، كما أن وقف القتال لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتخلي عن حقوق الضحايا.

تحذيرات من استمرار استهداف الأسواق

ومن بين أكثر النقاط خطورة في التصريحات المنقولة عن أستاذ العلوم السياسية الدكتور يعقوب النورين، حديثه عن هجمات قال إنها طالت سبعة أسواق على الأقل خلال أيام قليلة، معتبراً أن العقوبات المفروضة على بعض القيادات جاءت متأخرة ولم تشمل، بحسب تقديره، التطورات الأحدث.

وتحتاج أعداد الهجمات وتواريخها ومواقعها والجهات المسؤولة عنها إلى تحقق مستقل من مصادر موثوقة، لكن استهداف الأسواق، متى ثبت، يثير مخاوف بالغة بسبب طبيعة هذه المواقع ودورها في حياة المدنيين.

فالأسواق ليست مجرد أماكن للبيع والشراء، وإنما تمثل شرياناً اقتصادياً واجتماعياً للمدن والقرى، ومصدراً أساسياً للحصول على الغذاء والدواء والاحتياجات اليومية. وعندما تتعرض للقصف أو الهجمات المسلحة، لا تقتصر الخسائر على القتلى والجرحى، بل تمتد إلى التجار والعمال وصغار المنتجين والأسر التي تعتمد على دخل يومي محدود.

كما يمكن أن يؤدي تدمير الأسواق إلى ارتفاع الأسعار، ونقص السلع الأساسية، وتعطل حركة التجارة، وزيادة صعوبة وصول المساعدات الإنسانية. وفي المناطق التي تعاني أصلاً من النزوح وانهيار الخدمات، قد تتحول هذه الأضرار إلى عامل إضافي يدفع السكان إلى مغادرة منازلهم بحثاً عن أماكن أكثر أمناً.

ويفرض القانون الدولي الإنساني التزامات على أطراف النزاع بحماية المدنيين، والتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار المتوقعة على السكان. ويظل التقييم القانوني لكل هجوم مرتبطاً بظروفه والأدلة المتعلقة به، ولا يجوز استخلاص المسؤولية النهائية من مجرد وقوع الضرر وحده.

لكن تكرار الهجمات على مواقع مدنية، إذا أثبتته التحقيقات، يستدعي مراجعة جدية لأساليب القتال، والتحقق من الأهداف التي جرى استهدافها، والظروف التي أحاطت بكل حادثة، ومدى الالتزام بالاحتياطات المطلوبة لحماية السكان.

ومن هنا، فإن النقاش حول مستقبل كتيبة «البراء بن مالك» والقيادات المرتبطة بها لا ينبغي أن ينفصل عن النقاش الأوسع حول حماية المدنيين. فالتغييرات التنظيمية داخل التشكيلات المسلحة لن تكون ذات قيمة حقيقية إذا استمرت الأسواق والأحياء السكنية في التعرض للهجمات، أو بقيت الانتهاكات من دون تحقيق ومحاسبة.

السلام بين الحسابات العسكرية ومصالح المدنيين

تذهب التصريحات المنقولة عن النورين إلى أن رفض مبادرات السلام واستمرار الحرب يرتبطان، في تقديره، بمحاولات السيطرة على موارد البلاد ومقدراتها. وهذه قراءة سياسية تتطلب فحص مواقف الأطراف المختلفة وأسباب تعثر المبادرات، لكنها تضع مسألة الموارد في قلب النقاش حول دوافع استمرار النزاع.

فالسودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية واقتصادية مهمة، إلا أن الحرب حولت جزءاً كبيراً من هذه الإمكانات إلى مصدر للتنافس والتمويل والنفوذ. ومع تراجع مؤسسات الدولة وتضرر الاقتصاد، أصبحت السيطرة على الأراضي والمعابر ومناطق الإنتاج وشبكات التجارة من القضايا التي قد تؤثر في حسابات الأطراف المتحاربة.

ومع ذلك، فإن تفسير استمرار الحرب بعامل واحد، مثل الرغبة في السيطرة على الثروات، لا يكفي لفهم جميع أبعادها. فالنزاع يرتبط أيضاً بصراع السلطة، ومخاوف الأطراف الأمنية، وتفكك المؤسسات، والتدخلات الخارجية، والتنافس بين القوى المحلية، وانعدام الثقة في ترتيبات الانتقال السياسي.

ويظل السؤال المركزي هو ما إذا كانت القيادات المتحاربة مستعدة لقبول تسوية تضع حداً لتعدد مراكز السلاح، وتعيد الاعتبار للمؤسسات المدنية، وتضمن مشاركة السودانيين في تقرير مستقبل بلدهم. فالسلام الذي يقتصر على اتفاق بين القيادات المسلحة، من دون معالجة جذور الأزمة وضمان حقوق المتضررين، قد يوقف بعض العمليات لكنه لا يضمن استقراراً دائماً.

كما أن أي تسوية قابلة للاستمرار تحتاج إلى ترتيبات أمنية واضحة، تتناول مصير التشكيلات المسلحة، وتحدد آليات دمج الأفراد المؤهلين أو تسريحهم، وتمنع إعادة إنتاج الجماعات التي تعمل خارج منظومة قانونية خاضعة للمساءلة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتحول عملية إعادة بناء الدولة إلى وسيلة للإقصاء الجماعي أو الانتقام من أفراد على أساس انتمائهم وحده. فالمسؤولية الجنائية يجب أن تُحدد وفق الأدلة، بينما تُعالج مسألة التنظيمات المسلحة من خلال ترتيبات مؤسسية وقانونية تضمن عدم تكرار الانتهاكات.

ما الذي يعنيه التفكيك الحقيقي؟

إن الحديث عن تفكيك كتيبة «البراء بن مالك»، إذا انتقل من مستوى التسريبات والتقديرات إلى قرارات فعلية، سيطرح مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز مصير قائدها أو اسمها التنظيمي.

أول هذه الأسئلة يتعلق بطبيعة القرار: هل هناك بالفعل قرار رسمي أو تفاهم داخلي يقضي بحل الكتيبة؟ ومن الجهة التي تملك سلطة تنفيذه؟ وهل يشمل جميع عناصرها وقياداتها ومواردها، أم يقتصر على إعادة توزيع بعض المسؤوليات؟

أما السؤال الثاني فيتعلق بمصير المقاتلين. فالتفكيك الذي لا يتضمن سجلات واضحة للأفراد والأسلحة والموارد قد يترك المجال مفتوحاً أمام إعادة تشكيل الشبكات المسلحة في صورة جديدة. ولهذا، فإن أي خطة جادة تحتاج إلى آليات تحقق ومراقبة، مع ضمانات قانونية تمنع استخدام العملية لتصفية الحسابات أو استهداف أشخاص من دون أساس مشروع.

والسؤال الثالث يتعلق بالمساءلة. فحل التشكيل، إن حدث، لا يعني إسقاط المسؤولية عن الجرائم التي يُشتبه في ارتكابها خلال فترة نشاطه. وتبقى الحاجة قائمة إلى التحقيق في الوقائع المنسوبة إلى أفراد أو قيادات، وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة، وضمان حقوق الضحايا والشهود.

أما السؤال الرابع فيتعلق بالاستقلالية السياسية والمالية. فالتفكيك الحقيقي يقتضي معرفة ما إذا كانت شبكات الدعم والتجنيد والتمويل قد توقفت، أم أنها انتقلت إلى واجهات أخرى. ومن دون شفافية في هذا الجانب، قد يصعب التمييز بين إنهاء التشكيل وإعادة تنظيمه.

والسؤال الخامس يرتبط بدور المؤسسات المدنية والقانونية. إذ لا ينبغي أن يكون مستقبل التشكيلات المسلحة موضوع تفاهمات مغلقة بين القيادات العسكرية والسياسية فقط، بل يجب أن يندرج ضمن عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإخضاع السلاح للقانون، وضمان الرقابة والمساءلة.

هذه المعايير لا تخص كتيبة بعينها، وإنما تنطبق على جميع التشكيلات المسلحة التي شاركت في الحرب أو اكتسبت نفوذاً خارج الأطر المؤسسية. فالمبدأ الأساسي هو أن إنهاء الحرب لا يتحقق بمجرد تغيير أسماء الجماعات أو إبعاد بعض قادتها، وإنما بتقليص قدرة أي جهة على استخدام السلاح لفرض إرادتها السياسية أو الإفلات من المحاسبة.

السودان أمام اختبار الدولة والمحاسبة

تكشف المعلومات المتداولة بشأن الخلافات داخل معسكر بورتسودان عن مشهد يحتاج إلى قراءة حذرة، تجمع بين متابعة التوازنات السياسية والعسكرية وعدم التعامل مع التسريبات باعتبارها حقائق مكتملة. فاحتمال تفكيك كتيبة «البراء بن مالك» يظل مسألة تحتاج إلى تأكيد مستقل، كما أن طبيعة العقوبات المفروضة على القيادات المذكورة ومدى ارتباطها بقرارات رسمية ينبغي التحقق منها عبر مصادر موثوقة.

لكن، بصرف النظر عن مصير الكتيبة، فإن الأزمة التي يواجهها السودان أعمق من خلاف بين قائد ومرجعيات سياسية، أو تنافس بين تشكيلات على النفوذ. إنها أزمة تتعلق بقدرة الدولة على استعادة سلطتها، وحماية السكان، وإعادة بناء المؤسسات، وإنهاء الظروف التي تسمح بتعدد مراكز السلاح.

وقد تكون الخلافات الداخلية فرصة لإعادة النظر في بنية التشكيلات المسلحة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مجرد إعادة توزيع للأدوار إذا لم ترتبط بإجراءات واضحة لإنهاء العمل المسلح خارج الأطر القانونية. والفيصل في الحالتين ليس ما تقوله القيادات عن نياتها، وإنما ما يحدث على الأرض.

أما العقوبات الدولية، فعلى أهميتها، لا يمكن أن تحل محل وقف إطلاق النار، ولا أن تقوم مقام القضاء المستقل، ولا أن تعالج وحدها آثار الحرب الاقتصادية والاجتماعية. إنها أداة يمكن أن تسهم في الضغط، لكنها تحتاج إلى مسار أوسع يشمل التحقيقات والمساءلة وحماية المدنيين وفتح المجال أمام تسوية سياسية شاملة.

وفي النهاية، يبقى مستقبل السودان مرتبطاً بقدرته على الانتقال من منطق التحالفات المسلحة إلى منطق المؤسسات، ومن صراع النفوذ إلى سيادة القانون، ومن إدارة الحرب إلى بناء السلام. فالتفكيك الذي لا يطال شبكات السلاح والتمويل والقرار قد يغير شكل الأزمة من دون أن ينهيها، والعقوبات التي لا تقود إلى مساءلة فعلية قد تترك الضحايا أمام واقعهم من دون إنصاف.

إن الاختبار الحقيقي ليس ما إذا كانت كتيبة «البراء بن مالك» ستستمر باسمها الحالي أو ستختفي من المشهد، بل ما إذا كانت أي عملية لإعادة تنظيم القوات ستؤدي إلى تقليص تعدد مراكز السلاح، ومنع تكرار الانتهاكات، وضمان خضوع جميع المسؤولين للقانون. وعندها فقط يمكن الحديث عن تحول يتجاوز الحسابات الداخلية إلى خطوة فعلية نحو استعادة الدولة السودانية.

فالسودان لا يحتاج إلى تبديل الواجهات وحده، بل إلى نهاية حقيقية للحرب، ومؤسسات قادرة على حماية مواطنيها، وعدالة لا تتوقف عند حدود التحالفات السياسية والعسكرية. وهذه هي المعايير التي ينبغي أن يُقاس بها أي حديث عن تفكيك التشكيلات المسلحة أو فرض العقوبات على قياداتها، بعيداً عن الاكتفاء بالتصريحات والتسريبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى