تسريبات

تسريبات خطيرة واتهامات بالاختراق وغموض مصير البشير.. من يحكم السودان خلف الكواليس؟


من كواليس لقاء العلمين إلى الجدل حول الأسلحة الكيميائية، مروراً بالاتهامات التي طالت قيادات أمنية والتكهنات بشأن مكان وجود عمر البشير، تفتح التطورات التي تناولتها الحلقتان باباً واسعاً للأسئلة حول مراكز النفوذ داخل معسكر بورتسودان وحدود سلطة القيادة العسكرية.

تتزايد الأسئلة بشأن طبيعة مراكز القرار داخل معسكر بورتسودان، في ظل استمرار الحرب السودانية وتداخل الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والأمنية. فالتطورات التي تناولتها حلقتان تحليليتان لا تقتصر على تعثر جهود الوساطة أو الخلافات حول الهدنة الإنسانية، بل تمتد إلى روايات عن اختراقات أمنية وتسريبات حساسة، واتهامات بشأن برنامج للأسلحة الكيميائية، فضلاً عن جدل متجدد حول دور قيادات النظام السابق ومكان وجود الرئيس المعزول عمر البشير.

وتكتسب هذه الملفات أهميتها من تزامنها مع تحركات دبلوماسية تسعى إلى إنهاء الحرب، في وقت تتحدث فيه الحلقة الثانية عن لقاء جمع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بمسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، خلال مأدبة غداء استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين الجديدة. ووفق التفريغ، أعلن بولس عن الاجتماع عبر منشور على منصة التواصل الاجتماعي، بعدما جرى اللقاء بعيداً عن الأضواء، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن دوافع السرية وحسابات الأطراف المشاركة.

وتذهب الحلقة إلى أن البرهان كان حريصاً على عدم إعلان تفاصيل اللقاء خشية ردود فعل داخل الأوساط الإسلامية المتحالفة معه، خصوصاً في ظل الخلافات المتعلقة بوقف الحرب. كما نسبت إليه موقفاً مفاده أنه لا يعارض الاتفاق من حيث المبدأ، لكنه لا يمتلك السيطرة الكافية على القرار الداخلي. وإذا تأكدت صحة هذا التصريح وسياقه، فإنه يثير تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة العلاقة بين القيادة العسكرية والقوى التي تؤثر في مسار الحرب، ومدى قدرة البرهان على الالتزام بأي تفاهم دولي لا يحظى بقبول الأطراف النافذة داخل معسكره.

قرار الحرب بين القيادة العسكرية وشبكات النفوذ

إن الحديث عن محدودية السيطرة على القرار، كما ورد في التفريغ، يفتح النقاش حول تركيبة التحالف الذي يقاتل إلى جانب الجيش، ومدى استقلالية المؤسسة العسكرية في تحديد خياراتها السياسية. فاستمرار الحرب لا يرتبط بالعمليات الميدانية وحدها، بل يتصل أيضاً بمصالح القوى المتحالفة، وحساباتها بشأن مستقبل السلطة، وقدرتها على التأثير في أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار.

وتقدم الحلقة قراءة تعتبر أن الحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق تمثل أحد مصادر التأثير في القرار داخل معسكر بورتسودان. ووفق هذه القراءة، فإن أي تحرك نحو هدنة إنسانية قد يواجه اعتراضات من أطراف ترى في استمرار الحرب ضمانة للحفاظ على نفوذها. غير أن تحديد حجم هذا التأثير وطبيعته يحتاج إلى معلومات موثقة عن آليات اتخاذ القرار، ومواقف القيادات المختلفة، ومدى ارتباط التشكيلات المقاتلة بمراكز النفوذ السياسية والأمنية.

وفي أعقاب انكشاف لقاء العلمين، تحدثت الحلقة عن ظهور البرهان في تجمع بمنطقة مروي، وفسرت الخطوة بأنها محاولة لإرسال رسالة تطمين إلى الحلفاء مفادها أن التواصل مع المسؤول الأمريكي لا يعني تغيير الموقف من الحرب. وتكشف هذه القراءة عن صعوبة الموازنة بين متطلبات التفاوض الخارجي والحفاظ على التماسك الداخلي، خصوصاً عندما تتحول الاتصالات الدبلوماسية إلى موضوع حساس داخل المعسكرات المتنافسة.

لكن التحدي لا يتعلق بالرسائل السياسية وحدها، بل بمدى قدرة القيادة العسكرية على اتخاذ قرار واضح بشأن الهدنة وضمان تنفيذه. فإذا كانت مراكز النفوذ متعددة، فإن أي اتفاق يحتاج إلى آليات تضمن التزام الأطراف المعنية به، وتمنع تعطيله بسبب صراعات داخلية. أما استمرار الغموض بشأن الجهة التي تملك القرار النهائي، فقد يجعل المبادرات الدولية عرضة للتعثر حتى بعد التوصل إلى تفاهمات أولية.

قضية الأسلحة الكيميائية.. تسريبات تفتح باب المواجهة الأمنية

في موازاة الجدل بشأن لقاء العلمين، تناولت الحلقة قضية أكثر حساسية تتعلق بتقارير عن برنامج للأسلحة الكيميائية، قالت إن وثائق وتسجيلات نُسب نشرها إلى صحيفة نيويورك تايمز أثارت أزمة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية السودانية. ووفق التفريغ، أعقبت هذه التطورات اعتقالات طالت نحو خمسين ضابطاً أمنياً، وسط تساؤلات بشأن مصدر المعلومات المسربة والجهات التي تمكنت من الوصول إلى الاتصالات والوثائق الحساسة.

وتحتاج تفاصيل هذه القضية إلى تدقيق مستقل، خصوصاً ما يتعلق بمضمون الوثائق، ومدى صحة التسجيلات، وأسباب الاعتقالات، وطبيعة العلاقة بين الإجراءات الأمنية والتسريبات الإعلامية. فالاتهامات المتعلقة بتطوير أسلحة كيميائية تترتب عليها تبعات قانونية ودبلوماسية خطيرة، ولا يمكن إثباتها استناداً إلى رواية واحدة أو مواد غير متحقق منها. كما أن تحديد المسؤولية المؤسسية أو الشخصية يتطلب أدلة فنية وتحقيقات موثوقة وردوداً واضحة من الجهات المعنية.

ومع ذلك، فإن الجدل المحيط بالقضية يسلط الضوء على المخاطر التي تفرضها التسريبات الأمنية في زمن الحرب. فانتشار وثائق حساسة أو تسجيلات منسوبة إلى مسؤولين قد يؤدي إلى أزمة ثقة داخل المؤسسات، ويضع القيادات أمام ضغوط داخلية وخارجية، خصوصاً إذا تعلق الأمر بملفات ذات حساسية دولية. كما أن الاشتباه بوجود اختراقات قد يدفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع التحقيقات وإعادة تقييم إجراءات حماية الاتصالات، بما ينعكس على طبيعة العلاقات بين مراكز القرار.

أحمد مفضل تحت دائرة الاتهام.. من يقف وراء التسريبات؟

وبحسب الحلقة، اتجهت أصابع الاتهام داخل معسكر بورتسودان إلى مدير جهاز الأمن والمخابرات أحمد مفضل، وسط شكوك بشأن كيفية تسرب اتصالات شخصية للبرهان إلى جهات خارجية. وتقول الرواية إن بعض القيادات اعتبرت أن حدوث اختراق بهذا المستوى يصعب تفسيره من دون وجود خلل داخل منظومة حماية المعلومات أو معرفة لدى أطراف داخلية.

كما تحدث التفريغ عن شكوك بشأن احتمال وقوف أطراف من الحركة الإسلامية وراء مخطط يهدف إلى إضعاف البرهان أو التخلص منه سياسياً. لكن هذه المزاعم تظل اتهامات غير مثبتة، ولا تتضمن المادة المقدمة أدلة كافية تسمح بإسناد المسؤولية إلى مفضل أو إلى أي جهة أخرى. ومن الضروري التمييز بين وجود شكوك داخل الأوساط السياسية وبين ثبوت تورط شخص أو مؤسسة في عملية تسريب أو اختراق.

وتبرز خطورة هذا النوع من الاتهامات في أنه قد يحول الأزمة الأمنية إلى صراع على النفوذ داخل المؤسسات نفسها. فعندما تتبادل القيادات الشكوك بشأن المسؤولية عن تسريب المعلومات، يصبح التحقيق الفني المستقل ضرورة لتحديد ما حدث، بدلاً من ترك القضية رهينة التنافس السياسي. كما أن غياب المعلومات الدقيقة قد يفتح المجال أمام حملات اتهام متبادلة، ويزيد من هشاشة الثقة داخل معسكر يواجه أصلاً ضغوطاً عسكرية ودبلوماسية متصاعدة.

عمر البشير.. جدل حول الصحة ومكان الوجود

على جبهة أخرى، أعادت مناشدات منسوبة إلى أسرة الرئيس السوداني المعزول عمر البشير بشأن وضعه الصحي فتح النقاش حول مستقبله ومكان وجوده. ووفق التفريغ، طالبت الأسرة بتوفير جناح خاص له في مستشفى علياء بالخرطوم، بالتزامن مع دعوات للسماح له بتلقي العلاج خارج السودان، مع تداول قطر وتركيا باعتبارهما وجهتين محتملتين.

وتقدم الحلقة تفسيراً يعتبر هذه المناشدات محاولة لاختبار رد فعل الشارع السوداني تجاه احتمال نقل البشير إلى الخارج. لكنها نقلت أيضاً مزاعم إعلامية تفيد بأن الرئيس المعزول وبعض أركان نظامه السابق غادروا السودان بالفعل قبل نحو شهرين، وأنهم موجودون في الدوحة وتركيا. ولا تتضمن المادة المتاحة ما يكفي لتأكيد هذه الرواية أو تحديد مكان وجود البشير حالياً، ما يجعلها ادعاءً يحتاج إلى التحقق من مصادر مستقلة وموثوقة.

ويكتسب هذا الملف أهمية سياسية بسبب رمزية البشير وشبكات النفوذ التي ارتبطت بنظامه السابق. فاستمرار الجدل بشأن وضعه قد يعيد إلى الواجهة أسئلة عن طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش والقيادات الإسلامية السابقة، وحدود تأثير هذه الشبكات في القرارات العسكرية والسياسية الحالية. غير أن الحديث عن تلقي البرهان تعليمات من البشير أو من قادة النظام السابق، كما ورد في الحلقة، يظل استنتاجاً يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن اعتماده حقيقة ثابتة من دون إثبات.

كما أن تحديد مصير البشير لا يتعلق بالجانب السياسي وحده، بل يتصل بوضعه القانوني والجهات المسؤولة عن حمايته أو نقله، فضلاً عن أي التزامات قضائية قائمة. ولذلك، فإن حسم الجدل بشأن مكان وجوده يحتاج إلى معلومات موثوقة، لا إلى الاكتفاء بالتكهنات المتداولة بشأن صحته أو احتمال سفره.

صراع النفوذ ينعكس على الدبلوماسية ومستقبل الحرب

تتقاطع هذه الملفات مع التطورات التي تناولتها الحلقة الأولى بشأن رفض التأشيرة الأمريكية وتأجيل زيارة البرهان إلى الرياض. فتعثر التحركات الخارجية يضع القيادة العسكرية أمام ضغوط إضافية، بينما قد يؤدي انعدام الثقة داخل المؤسسات الأمنية والسياسية إلى تضييق هامش المناورة المتاح أمامها. وفي المقابل، فإن تحركات القوى المدنية بقيادة عبد الله حمدوك في واشنطن تعكس استمرار التنافس على صياغة المسار السياسي الذي يمكن أن يلي وقف الحرب.

وفي ظل هذه الظروف، تصبح قدرة أي طرف على تقديم ضمانات بشأن تنفيذ الهدنة عاملاً أساسياً في حسابات الوسطاء الدوليين. فالتوصل إلى اتفاق لا يكفي إذا ظلت هناك أطراف قادرة على تعطيله أو إعادة إشعال المواجهات. ومن هنا، فإن معالجة الأزمة السودانية تتطلب وضوحاً في سلسلة القيادة، وتحديداً للمسؤوليات، وتوافقاً على آليات عملية لحماية المدنيين ومراقبة وقف إطلاق النار.

وفي النهاية، تكشف الروايات التي تناولتها الحلقتان عن مشهد تتداخل فيه التسريبات الأمنية مع التنافس السياسي والضغوط الخارجية، وسط غموض يحيط ببعض الملفات الحساسة. لكن تحويل هذه الروايات إلى استنتاجات نهائية يتطلب تحققاً مستقلاً، خصوصاً في قضايا الأسلحة الكيميائية والاختراقات الأمنية ومكان وجود البشير. وبين صراع النفوذ وتعثر التسوية، يبقى التحدي الأكبر هو وقف الحرب وإنهاء معاناة السودانيين، بدلاً من السماح للخلافات داخل مراكز السلطة بأن تتحول إلى سبب إضافي لإطالة أمدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى