من شرق العوينات إلى مصوع وبورتسودان.. خريطة المطارات التي تكشف تعقيدات الإمداد الجوي في حرب السودان
لم تعد خريطة الإمداد الجوي المرتبط بالحرب السودانية محصورة في مطار واحد أو مسار مباشر بين دولة وأخرى، وفق المؤشرات التي عرضتها تحقيقات مفتوحة المصدر عن حركة الطائرات وتغيرات البنية التحتية للمطارات منذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023. فإلى جانب بورتسودان، الذي برز بوصفه نقطة رئيسية في التحقيقات المتعلقة بوصول الإمدادات، ظهرت أسماء مطارات أخرى في المنطقة، بينها شرق العوينات في مصر ومصوع في إريتريا، فضلاً عن قواعد داخل السودان، مثل وادي سيدنا.
وتطرح هذه الخريطة أسئلة تتجاوز تحديد مصدر الطائرات ووجهتها النهائية، لتشمل كيفية تنظيم حركة الشحن، والأدوار التي يمكن أن تؤديها نقاط العبور، والقدرة على التمييز بين الرحلات المدنية والتجارية والرحلات التي تحمل معدات عسكرية. كما تثير تساؤلات بشأن حجم الموارد التي تحتاج إليها الحرب، وكيف يمكن تتبعها من خلال البيانات الجوية والصور الفضائية والمعلومات المنشورة عن الشركات المشغلة للطائرات.
وتستند هذه القراءة إلى المادة التي عرضت نتائج تحقيقات منصة «إيكاد»، وإلى ما أوردته بشأن رصد رحلات شحن وتغيرات في مرافق المطارات. غير أن وجود مطار على مسار رحلة لا يثبت وحده أنه استُخدم لنقل السلاح، كما أن وصفه بأنه عقدة إمداد عسكرية يحتاج إلى أدلة تتجاوز مجرد الحركة الجوية، تشمل طبيعة الرحلات والحمولات والجهات المستفيدة.
بورتسودان.. نقطة الوصول الأبرز في التحقيقات
منذ انتقال قيادة الجيش والحكومة السودانية إلى بورتسودان، اكتسب مطار المدينة أهمية متزايدة في حركة النقل الجوي المرتبطة بالسودان. وبفضل موقعه على ساحل البحر الأحمر، أصبح ضمن النقاط التي تتابعها التحقيقات الرامية إلى فهم كيفية وصول الإمدادات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.
وتشير تحقيقات «إيكاد» إلى أن المطار شهد أعمال تطوير وتوسعة في ساحات وقوف الطائرات، شملت إنشاء مصف جديد تبلغ مساحته نحو 50 ألف متر مربع، وتوسعة مصف آخر من نحو 25 ألف متر مربع إلى 38 ألف متر مربع. وقد ربطت المنصة هذه التغيرات بالسياق الأوسع لحركة الطيران والإمداد خلال الحرب.
وتساعد هذه البيانات في تحديد تطور القدرة الاستيعابية للمطار، لكنها لا تثبت بمفردها الغرض الذي أُنشئت من أجله المرافق الجديدة. فالتوسعة قد تخدم احتياجات تشغيلية مختلفة، ويحتاج تحديد ارتباطها المباشر بنقل السلاح إلى قرائن إضافية تتعلق بتوقيت الرحلات وطبيعتها والجهات المستخدمة للمرافق.
وتبرز أهمية بورتسودان بصورة أوضح عند النظر إلى الطائرة الإيرانية EP-FAB، التي رُصدت، بحسب «إيكاد»، في المطار يومي 7 ديسمبر 2023 و16 يناير 2024. وربطت المنصة هذه الرحلات بنقل مسيّرات إيرانية، مستندة إلى بيانات تتبع الطيران وصورة فضائية قالت إنها تظهر الطائرة مع فتح بوابة الشحن الأمامية.
وتوفر هذه الواقعة مثالاً على نوع الأدلة التي يمكن أن تساعد في تتبع الإمداد، لكنها لا تحدد وحدها محتويات كل شحنة أو حجمها. كما أن إثبات وجود رحلات متعددة إلى بورتسودان لا يعني أن جميعها حملت معدات عسكرية، ما لم تتوفر أدلة مستقلة تدعم هذا التصنيف.
شرق العوينات.. عقدة تحتاج إلى مزيد من الإثبات
برز مطار شرق العوينات المصري في المادة بوصفه إحدى النقاط التي ظهرت ضمن خريطة الرحلات المرتبطة ببورتسودان، إلى جانب مسارات أخرى قادمة من القاهرة وإسطنبول ومسقط. وتذهب المادة إلى أبعد من ذلك، إذ تصف المطار بأنه تحول إلى قاعدة ارتكاز للمسيّرات التركية وعقدة إسناد لوجستي مرتبطة بالجيش السوداني.
لكن هذا الاستنتاج يحتاج إلى تفكيك دقيق للأدلة التي يستند إليها. فهناك فرق بين رصد رحلة تنطلق من شرق العوينات أو تصل إليه، وبين إثبات أن المطار استُخدم قاعدة تشغيل لمسيّرات عسكرية، أو أنه أدى دوراً مباشراً في نقل معدات إلى الجيش السوداني. ويتطلب إثبات الادعاء الأخير تحديد الطائرات المعنية، وتواريخ تحركاتها، وطبيعة حمولاتها، والقرائن التي تربطها بالمستفيد النهائي.
وتشير المادة إلى رصد 16 رحلة شحن إلى بورتسودان خلال النصف الأول من ديسمبر وحده، عبر مسارات مرتبطة بإسطنبول والقاهرة ومسقط وشرق العوينات. غير أنها لا تقدم في النص المتاح جدولاً كاملاً بأرقام الرحلات أو طرازات الطائرات أو حمولاتها أو تواريخ كل رحلة على حدة.
ولهذا، لا يمكن التعامل مع الرقم المذكور باعتباره 16 شحنة عسكرية مؤكدة، ولا الجزم بأن جميع الرحلات مرت عبر المسارات نفسها أو أدت الوظيفة ذاتها. ويحتاج أي تقييم دقيق إلى فصل الرحلات التي ثبتت طبيعتها العسكرية عن الرحلات التي رُصدت حركتها فقط، وتوضيح الأساس الذي بُني عليه تصنيف كل منها.
كما أن وصف شرق العوينات بأنه قاعدة ارتكاز للمسيّرات التركية يتطلب أدلة مباشرة أو متقاطعة، مثل صور موثقة لطائرات محددة داخل المطار، أو بيانات موثوقة عن تشغيلها، أو معلومات تربط الرحلات بمعدات عسكرية معروفة. وفي غياب عرض هذه التفاصيل، يظل الوصف ادعاءً تحليلياً منسوباً إلى المادة، لا حقيقة مستقلة يمكن حسمها بمجرد ورود اسم المطار في مسارات الشحن.
مصوع.. الموقع الجغرافي لا يكفي لإثبات الدور
تظهر مدينة مصوع الإريترية ضمن الأسئلة التي تطرحها المادة حول تعدد نقاط العبور في شبكة الإمداد الجوي. ويمنح موقعها على ساحل البحر الأحمر أهمية جغرافية عند دراسة الحركة الإقليمية، إلا أن تحديد دور مطارها في الإمداد العسكري يحتاج إلى معلومات تفصيلية بشأن الرحلات التي استخدمته، والجهات المشغلة، والوجهات اللاحقة، وطبيعة الحمولات.
فالمطارات الواقعة على طرق النقل الإقليمية يمكن أن تؤدي وظائف مختلفة، من بينها استقبال الرحلات التجارية أو التزود بالخدمات التشغيلية أو نقل الركاب والبضائع. ولا يمكن الانتقال من هذه الاحتمالات العامة إلى الجزم بأن مطاراً بعينه أصبح مركزاً لنقل السلاح من دون بيانات تربط بين الرحلات والحمولات والجهات المستفيدة.
وفي حالة مصوع، لا يتضمن النص المتاح تفاصيل كافية عن عدد الرحلات التي رُصدت في المطار، أو تواريخها، أو أرقام الطائرات التي استخدمته، أو الأدلة التي تربطه مباشرة بنقل إمدادات عسكرية إلى الجيش السوداني. ولذلك، فإن وصفه بأنه نقطة عبور مركزية يحتاج إلى إسناد أوضح من مجرد إدراجه ضمن خريطة المطارات المحتملة.
ومع ذلك، فإن إدراج مصوع ضمن التحقيق يطرح مساراً مهماً للبحث، خصوصاً عند مقارنة بيانات الحركة الجوية في المنطقة مع تواريخ الرحلات الواصلة إلى بورتسودان. وقد يسمح العثور على رحلات متتابعة بين هذه المطارات ببناء فرضيات بشأن طبيعة الشبكة، شرط ألا تُعامل الفرضيات باعتبارها نتائج نهائية قبل التحقق من تفاصيل كل رحلة.
وادي سيدنا.. البعد الداخلي لشبكة الإمداد
لا تقتصر خريطة الإمداد على المطارات الواقعة خارج السودان، إذ تبرز قاعدة وادي سيدنا العسكرية، شمال أم درمان، ضمن المواقع التي يمكن أن تؤدي وظائف تشغيلية أو لوجستية داخل البلاد. وتختلف أهمية هذه القاعدة عن أهمية مطارات العبور الخارجية، لأنها تقع ضمن البيئة العسكرية الداخلية التي يمكن أن تتصل بتوزيع المعدات أو تشغيل الطائرات أو تخزين العتاد.
لكن تحديد الوظيفة التي أدتها وادي سيدنا في شبكة الإمداد يتطلب أدلة خاصة بالموقع، مثل صور فضائية مؤرخة، وتحديد الطائرات التي ظهرت فيه، والتغيرات التي طرأت على مرافقه، ومقارنة تلك المؤشرات مع البيانات التشغيلية المتاحة. ولا يكفي وصف الموقع بأنه قاعدة عسكرية لإثبات أنه استُخدم لتخزين شحنات بعينها أو لتوزيع معدات وصلت من الخارج.
ويكتسب هذا التمييز أهمية عند محاولة إعادة بناء المسار الكامل للشحنات، إذ قد تصل المعدات إلى مطار دولي ثم تنتقل إلى قاعدة داخلية، أو قد تستخدم طائرات أخرى أو وسائل نقل برية. وكل احتمال من هذه الاحتمالات يحتاج إلى بيانات مستقلة قبل اعتماده في رسم شبكة محددة.
كما أن صور الأقمار الصناعية لا تكشف دائماً عن طبيعة المواد الموجودة داخل المباني أو الحاويات، حتى عندما تظهر تغيرات في المرافق أو حركة للطائرات. لذلك، فإن تقدير دور القاعدة يجب أن يستند إلى تراكم الأدلة، لا إلى الموقع الجغرافي أو طبيعة المنشأة وحدهما.
كيف تتشكل شبكة الإمداد الجوي؟
توضح المسارات التي أوردتها المادة أن تحليل الإمداد العسكري يتطلب فحص مجموعة من العناصر في وقت واحد. يبدأ ذلك بتحديد الطائرات وأرقام تسجيلها والشركات المشغلة، ثم توثيق مواعيد الإقلاع والهبوط، ومقارنة مسارات الرحلات، وفحص التغيرات في المطارات التي ظهرت ضمن هذه الحركة.
بعد ذلك، يمكن مقارنة هذه البيانات مع الصور الفضائية التي توضح وجود الطائرات أو التغيرات في ساحات الوقوف والمرافق، ومع المعلومات المنشورة عن الشركات أو الجهات التي قد تكون مرتبطة بنقل المعدات. وعندما تتقاطع هذه العناصر مع أدلة مستقلة عن طبيعة الشحنات، يصبح من الممكن تصنيف بعض الرحلات بدرجة أعلى من الثقة.
وتقدم الطائرة الإيرانية EP-FAB نموذجاً لهذه الطريقة؛ فقد حددت «إيكاد» تسجيلها وشركة تشغيلها، ورصدت وجودها في بورتسودان، وربطت الرحلات بمعلومات عن المسيّرات الإيرانية. لكن حتى في هذه الحالة، تظل معرفة الحمولة الدقيقة لكل رحلة مسألة منفصلة، لا تحسمها صورة الطائرة وحدها.
ويحتاج تقدير حجم الإمدادات أيضاً إلى تجنب الخلط بين عدد الرحلات وعدد الشحنات العسكرية. فقد تنفذ الطائرة أكثر من رحلة، وقد تحمل الرحلة الواحدة معدات مختلفة، كما أن بعض الرحلات قد لا تكون عسكرية أصلاً. ولذلك، فإن أي رقم إجمالي ينبغي أن يوضح الفترة الزمنية التي يغطيها، ومصادر البيانات، ومعايير تصنيف الرحلات، وحدود المعلومات المتاحة.
16 رحلة في ديسمبر.. ماذا نعرف وما الذي لا نعرفه؟
تذكر المادة أن النصف الأول من ديسمبر شهد رصد 16 رحلة شحن إلى بورتسودان، عبر مسارات مرتبطة بإسطنبول والقاهرة ومسقط وشرق العوينات. وإذا جرى التحقق من هذا الرقم وتفاصيل الرحلات، فقد يشكل نقطة مهمة لفهم كثافة الحركة الجوية في فترة محددة من الحرب.
لكن العدد وحده لا يحدد طبيعة النشاط. فمعرفة ما إذا كانت الرحلات عسكرية تتطلب تحديد طرازات الطائرات، وأرقام تسجيلها، وشركات تشغيلها، ومعلومات عن الحمولات والجهات المستفيدة. كما أن وصف المسارات بأنها مرتبطة بمدن أو مطارات معينة لا يوضح بالضرورة ما إذا كانت كل رحلة قد توقفت في تلك المواقع، أم أن البيانات تشير إلى صلات أوسع ضمن شبكة الحركة الجوية.
ومن الضروري أيضاً تحديد السنة التي يعود إليها هذا الرصد، وإرفاق قائمة الرحلات أو البيانات التي استند إليها، حتى يمكن مقارنتها مع الصور الفضائية وسجلات الطيران. ومن دون هذه التفاصيل، يظل الرقم مؤشراً يستحق المتابعة، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات حجم الإمدادات العسكرية أو تحديد مصدرها النهائي.
وتظهر أهمية هذا التدقيق بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر باتهامات تخص دولاً أو مؤسسات رسمية، إذ ينبغي أن تكون نسبة كل دور إلى جهة محددة مدعومة بأدلة واضحة، وأن تظل المعلومات غير المؤكدة منسوبة إلى مصدرها.
من الحركة الجوية إلى كلفة الحرب
يتجاوز الاهتمام بشبكة الإمداد سؤال مصدر السلاح إلى محاولة فهم الموارد التي تحتاج إليها الحرب للاستمرار. فالمعدات العسكرية لا تصل إلى ميدان القتال بمعزل عن الوقود وقطع الغيار والصيانة والتدريب ووسائل النقل والتخزين. ويمكن لحركة الطيران أن توفر مؤشرات على بعض جوانب هذه المنظومة، لكنها لا تقدم وحدها حساباً نهائياً لكمية العتاد المستهلك أو كلفته.
فعدد الرحلات لا يساوي كمية الذخائر المنقولة، ومساحة ساحات الطائرات لا تحدد نوع المعدات الموجودة فيها، كما أن وجود طائرة في مطار لا يثبت بالضرورة أنها نفذت مهمة عسكرية. ولهذا، فإن تقدير كلفة الإمداد يحتاج إلى بيانات إضافية عن أنواع الطائرات وحمولاتها، وتكرار الرحلات، وأسعار المعدات، واحتياجات الصيانة والتشغيل.
وتزداد أهمية هذا النهج في حرب ممتدة، حيث قد تتغير مسارات الإمداد مع تطور الأوضاع الميدانية، أو تتوزع المهام بين مطارات متعددة، أو تستخدم وسائل نقل مختلفة. وقد تساعد المقارنة الزمنية بين الصور والرحلات على اكتشاف هذه التحولات، لكنها لا تعوض غياب المعلومات المتعلقة بمحتويات الشحنات.
خريطة مفتوحة على أسئلة جديدة
تكشف المادة عن مسارات تستحق مزيداً من التحقيق، من بينها الرحلات الإيرانية المرتبطة ببورتسودان، والحركة الجوية التي تشير إلى شرق العوينات، والأسئلة المتعلقة بدور مصوع ووادي سيدنا في شبكة الإمداد. لكن قوة هذه الخريطة تعتمد على القدرة على إثبات وظيفة كل نقطة، لا على جمع أسماء المطارات في مسار واحد.
فإثبات أن مطاراً استقبل طائرة شحن يختلف عن إثبات أنه أدى دور مركز عبور عسكري، كما أن رصد رحلات متعددة لا يكفي لتحديد الجهات التي سلمت المعدات أو تسلمتها. وتبقى التفاصيل الخاصة بالحمولات والمسارات المتتابعة والجهات المشغلة ضرورية للانتقال من الاشتباه إلى الاستنتاج المدعوم بالأدلة.
وفي المحصلة، لا تقدم المعلومات المتاحة وحدها حصيلة نهائية لحجم الإمداد العسكري الجوي الذي وصل إلى الجيش السوداني، لكنها تضع أمام الباحثين والصحفيين مجموعة من الخيوط التي يمكن اختبارها ومقارنتها. ومن خلال توثيق الرحلات وتواريخها، وتحليل الصور الفضائية، وفحص بيانات الطائرات، والتحقق من طبيعة الحمولات، يمكن بناء صورة أكثر دقة عن الدور الذي أدته المطارات الإقليمية في الحرب.
ويبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: أيّ من هذه المطارات كان نقطة وصول، وأيّها أدى دور عبور أو دعم، وأيّ الادعاءات بشأن نقل السلاح يمكن إثباته بالأدلة المتاحة؟ الإجابة لا تكمن في الموقع الجغرافي وحده، بل في التفاصيل التي تربط كل رحلة بحمولتها ووجهتها والجهة التي تسلمتها، وهي التفاصيل التي ستحدد مدى صلابة أي استنتاج بشأن شبكة الإمداد الجوي المرتبطة بالحرب السودانية.




