تركيا في السودان.. مساعدات في الواجهة وتكنولوجيا عسكرية تهدد بإطالة الحرب
تقدم تركيا حضورها في السودان باعتباره جزءاً من تحرك إنساني ودبلوماسي يهدف إلى المساهمة في تخفيف الأزمة والدفع نحو الاستقرار، غير أن الدور التركي يواجه انتقادات متزايدة بسبب العلاقات العسكرية والتقنية التي رافقت هذا الحضور. فبينما تبدو المساعدات في الواجهة، تبرز في الخلفية علاقات دفاعية وتكنولوجيا عسكرية متطورة أصبحت حاضرة في ساحة الحرب، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الانخراط التركي يساهم فعلياً في إنهاء النزاع أم يمنح الحرب أدوات جديدة للاستمرار.
وتتركز أبرز الانتقادات حول الطائرات المسيّرة التركية، التي أصبحت عنصراً مهماً في العمليات العسكرية داخل السودان. وفي تحقيق نشرته واشنطن بوست في مارس 2025، كشفت وثائق وعقود وسجلات رحلات عن حصول الجيش السوداني، وفق التحقيق، على طائرات مسيّرة وصواريخ تركية بقيمة لا تقل عن 120 مليون دولار خلال فترة الحرب. كما أشار التحقيق إلى استخدام طائرات من طراز TB2 في عمليات عسكرية داخل السودان.
وتزداد حساسية هذا الدور مع التحول الكبير الذي شهدته الحرب في السنوات الأخيرة نحو استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى. فقد حذرت الأمم المتحدة من أن التكنولوجيا العسكرية الحديثة والدعم الخارجي ساهما في زيادة القدرة على تنفيذ ضربات واسعة وبعيدة عن خطوط المواجهة، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين واستهداف منشآت مدنية ومناطق مكتظة بالسكان.
ومن هذه الزاوية، لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا التركية بحد ذاتها، وإنما في تأثيرها على طبيعة الحرب. فالطائرات المسيّرة تسمح بتنفيذ عمليات عسكرية من مسافات بعيدة وبكلفة بشرية أقل بالنسبة إلى الطرف الذي يستخدمها، الأمر الذي يمكن أن يقلل من الضغوط التي تدفع نحو وقف القتال والعودة إلى طاولة المفاوضات. وبدلاً من أن تؤدي الخسائر العسكرية إلى البحث عن تسوية، يمكن للتفوق التقني أن يمنح قدرة إضافية على مواصلة العمليات.
وتطرح هذه المعادلة سؤالاً أكثر حساسية حول الجمع بين الدور الإنساني والدور العسكري. فلا توجد أدلة كافية تثبت أن المساعدات الإنسانية التركية تُستخدم مباشرة في نقل الأسلحة أو تمويل العمليات العسكرية، ولذلك سيكون من غير الدقيق تقديم ذلك باعتباره حقيقة. لكن تزامن النشاط الإنساني والدبلوماسي مع تنامي العلاقات الدفاعية يخلق تناقضاً يستحق النقاش، خصوصاً عندما تكون التكنولوجيا العسكرية القادمة من الدولة نفسها جزءاً من أدوات الحرب.
وتحاول تركيا في الوقت نفسه الحفاظ على صورة الطرف القادر على لعب دور دبلوماسي في الأزمة السودانية، وهو ما يجعل مسألة العلاقات العسكرية أكثر حساسية. فالوساطة تحتاج إلى قدر من الثقة لدى الأطراف، بينما يمكن لأي ارتباط عسكري بأحد أطراف النزاع أن يثير تساؤلات حول حياد الدور السياسي ومدى توافقه مع الهدف المعلن المتمثل في إنهاء الحرب.
كما أن استمرار تدفق التكنولوجيا العسكرية المتطورة قد يساهم في تحويل الحرب إلى صراع أكثر تعقيداً وأطول زمناً. فكلما ازدادت قدرة الأطراف على تنفيذ عمليات دقيقة وبعيدة المدى، تراجعت الحاجة إلى الحسم السياسي السريع، وأصبح من الممكن مواصلة القتال مع الاعتماد على أدوات أكثر تطوراً وأقل كلفة من حيث نشر القوات على الأرض.
وفي ظل الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان، تصبح هذه المسألة أكثر إلحاحاً. فالمشكلة ليست فقط في عدد الأسلحة التي تدخل البلاد، وإنما في الطريقة التي تغير بها هذه الأسلحة طبيعة الحرب وتوسع نطاقها الجغرافي وترفع قدرة الأطراف على تنفيذ ضربات في مناطق بعيدة عن ساحات القتال التقليدية.
وبذلك يبرز الدور التركي أمام معادلة صعبة: المساعدات والجهود الدبلوماسية من جهة، والعلاقات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية من جهة أخرى. وبينما تقول أنقرة إنها تسعى إلى دعم الاستقرار، يظل السؤال قائماً حول ما إذا كان توفير القدرات العسكرية المتطورة ينسجم فعلاً مع هدف إنهاء الحرب، أم أنه يمنحها مزيداً من الوسائل للاستمرار.
وفي النهاية، لا يمكن تحميل تركيا وحدها مسؤولية استمرار الحرب، لكن حجم الدور الذي تلعبه التكنولوجيا العسكرية التركية يجعل من المشروع مساءلة هذا الدور وتأثيره على مسار النزاع. فحين تدخل المسيّرات الحديثة إلى حرب مفتوحة، فإنها لا تغير فقط ميزان القوة، بل قد تغير أيضاً حسابات السلام، وتمنح أطراف النزاع وقتاً أطول للقتال بدلاً من تقديم تنازلات للوصول إلى تسوية.




