تسريبات

تركيا في السودان.. الطائرات المسيّرة والسلاح يعيدان رسم علاقة أنقرة بالجيش


تحولت تركيا خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الشركاء العسكريين للقوات المسلحة السودانية، مستفيدة من علاقاتها القديمة مع الخرطوم ومن توسع صناعتها الدفاعية التي أصبحت تصدر الطائرات المسيرة والذخائر والمنظومات الإلكترونية إلى عدد متزايد من الدول.

ومع استمرار الحرب السودانية، لم يعد الدور التركي مقتصراً على العلاقات السياسية أو المبادرات الدبلوماسية. فقد كشفت تقارير صحفية وتحقيقات عن وصول أسلحة وطائرات مسيرة تركية إلى الجيش السوداني، فيما استمرت أنقرة في الحفاظ على اتصالات مباشرة مع قيادة الدولة السودانية.

علاقة استراتيجية تتجاوز الحرب

العلاقة بين تركيا والسودان تعود إلى سنوات سابقة على الحرب.وخلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، سعت أنقرة إلى تعزيز وجودها الاقتصادي والسياسي في السودان، خصوصاً على ساحل البحر الأحمر.

لكن سقوط نظام البشير لم ينهِ العلاقة. ومع اندلاع الحرب، حافظت تركيا على اتصالاتها مع السلطات السودانية، ثم أصبحت علاقتها بالجيش أكثر أهمية مع تحول القوات المسلحة إلى الطرف المسيطر على العاصمة والمناطق الشرقية والشمالية.

وفي يونيو 2026، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في أنقرة. وقالت الرئاسة التركية إن المحادثات تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، كما أكد أردوغان استمرار العمل على تطوير العلاقات بين البلدين في مجالات التجارة والزراعة والطاقة والدفاع، إلى جانب الجهود الرامية إلى وقف نزيف الدم في السودان.

الطائرات المسيرة في قلب العلاقة

أحد أبرز أوجه التعاون العسكري التركي السوداني هو الطائرات المسيرة.وفي مارس 2025، نشرت صحيفة واشنطن بوست تحقيقاً استند إلى وثائق واتصالات وسجلات تجارية قالت إنها تكشف إرسال شركة Baykar التركية ما لا يقل عن 120 مليون دولار من الأسلحة إلى الجيش السوداني، بينها ثماني طائرات من طراز TB2 ومئات الرؤوس الحربية.

وبحسب التحقيق، لم يكن الأمر مجرد بيع معدات، بل رافق وصول الطائرات وجود عناصر من الشركة لتقديم الدعم الفني.وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس تحولاً مهماً في طبيعة العلاقة بين أنقرة والخرطوم: فتركيا لم تعد مجرد شريك سياسي، بل أصبحت مورداً مهماً للتكنولوجيا العسكرية التي يحتاجها الجيش السوداني.

لماذا تحتاج القوات المسلحة السودانية إلى التكنولوجيا التركية؟

الحرب السودانية تغيرت جذرياً منذ بدايتها.فبعد أن كان التفوق الجوي التقليدي عاملاً مهماً، دخلت الطائرات المسيرة إلى قلب المعركة. وأصبحت القدرة على الاستطلاع وتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات بعيدة المدى عاملاً حاسماً في عمليات الجيش.هذا التحول جعل التكنولوجيا التركية ذات أهمية خاصة.

فطائرات Bayraktar اكتسبت شهرة واسعة بسبب استخدامها في نزاعات متعددة، وأصبحت صناعة الطائرات المسيرة التركية إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة والعسكرية لأنقرة.بالنسبة للجيش السوداني، توفر هذه المنظومات إمكانية تنفيذ عمليات في مناطق بعيدة عن خطوطه الرئيسية، وهو أمر مهم في بلد شاسع المساحة مثل السودان.

علاقة عسكرية ولكن أيضاً سياسية

الملف العسكري ليس سوى جانب واحد من العلاقة.تركيا تنظر إلى السودان أيضاً باعتباره جزءاً من منظومة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فالموقع السوداني يمنح أهمية استراتيجية لأي دولة تسعى إلى بناء علاقات اقتصادية وأمنية في المنطقة.كما أن أنقرة تحاول الظهور كوسيط قادر على التواصل مع مختلف الأطراف، وليس مجرد داعم عسكري للجيش.

ولهذا شهدت السنوات الأخيرة تحركات تركية مرتبطة بالوساطة، إلى جانب التعاون الدفاعي.لكن الجمع بين الوساطة والتعاون العسكري يخلق معادلة معقدة. فالطرف الذي يحصل على السلاح من دولة ما قد ينظر إلى تلك الدولة كشريك في الحرب، حتى لو كانت الدولة نفسها تدعو إلى التسوية السياسية.

لقاء أردوغان والبرهان في 2026

كان لقاء يونيو 2026 بين أردوغان والبرهان مهماً لأنه أكد استمرار العلاقات في المجالات الدفاعية والاقتصادية.الجانب التركي شدد على وقف الحرب، بينما حافظت أنقرة في الوقت نفسه على العلاقة المباشرة مع القيادة السودانية.

هذه السياسة تسمح لتركيا بالحفاظ على نفوذها مهما كانت نتيجة الحرب.فإذا تمكن الجيش من تعزيز سيطرته على البلاد، ستكون أنقرة قد حافظت على شريك سياسي وعسكري قوي. وإذا انتهت الحرب بتسوية سياسية، فإن وجود علاقات تركية مع مؤسسات الدولة يمكن أن يمنحها دوراً في مرحلة إعادة الإعمار.

التعاون التركي لا يقتصر على السودان

من اللافت أن جزءاً من المنظومة العسكرية التي يستخدمها الجيش السوداني مرتبط أيضاً بعلاقة تركيا مع مصر.ففي فبراير 2026، كشفت رويترز أن طائرات مسيرة تركية من طراز Akinci ظهرت في قاعدة مصرية قرب الحدود السودانية، في وقت كانت فيه القاهرة تزيد انخراطها في الحرب.

وهذا يعني أن التكنولوجيا العسكرية التركية أصبحت حاضرة في البيئة الإقليمية المحيطة بالحرب، وليس فقط داخل السودان.لكن وجود السلاح التركي في أكثر من مسار لا يعني بالضرورة أن أنقرة تدير العمليات العسكرية للجيش السوداني. الأصح أن تركيا توفر تقنيات ومعدات عسكرية متقدمة، بينما تتولى القوات السودانية استخدامها ميدانياً.

التقارير عن الدعم المباشر

تؤكد مصادر تحليلية متعددة أن الجيش السوداني حصل على دعم من تركيا.وتشير وثيقة حكومية بريطانية محدثة في يوليو 2026 إلى أن القوات المسلحة السودانية تلقت دعماً من عدة دول، بينها تركيا، إلى جانب مصر وإيران وباكستان، بينما تصنف السعودية وقطر ضمن الدول الداعمة للجيش بدرجات مختلفة.

كما ذكرت تحليلات عسكرية أن الجيش السوداني كثف بحثه عن دعم خارجي بعد التحولات الميدانية الكبرى في دارفور، مع التركيز على مصر وقطر وتركيا.هذا الدعم الخارجي يفسر جزئياً قدرة الجيش على مواصلة استخدام الطائرات المسيرة والضربات الجوية بعيدة المدى رغم طول الحرب.

ماذا تريد تركيا من السودان؟

هناك عدة مستويات للمصلحة التركية.

أولها اقتصادي، عبر فرص الاستثمار وإعادة الإعمار والزراعة والطاقة.

ثانيها جيوسياسي، بسبب موقع السودان على البحر الأحمر.

ثالثها عسكري، من خلال توسيع سوق الصناعات الدفاعية التركية.

ورابعها دبلوماسي، إذ يمنح السودان أنقرة مساحة إضافية للتحرك في القرن الأفريقي.

ولهذا لا يمكن اختزال السياسة التركية في مسألة بيع الطائرات المسيرة فقط.

الحرب ترفع كلفة الدعم الخارجي

لكن استمرار تدفق الأسلحة إلى السودان يضع جميع الدول الداعمة أمام ضغوط دولية متزايدة.ففي سبتمبر 2026، قالت الأمم المتحدة إن الدعم العسكري الخارجي أصبح أحد العوامل التي تسمح باستمرار الحرب وتوسيع قدرة الأطراف على ضرب أهداف بعيدة، بما في ذلك باستخدام الطائرات المسيرة.وهذا لا يعني أن تركيا وحدها مسؤولة عن استمرار القتال، إذ إن الحرب لها جذور سودانية داخلية معقدة، لكن الدعم العسكري الخارجي يمنح الأطراف قدرة أكبر على مواصلة العمليات.

تركيا والمرحلة المقبلة

حتى سبتمبر 2026، تبدو تركيا من أكثر الشركاء ارتباطاً بالقدرات العسكرية الحديثة التي يستخدمها الجيش السوداني.لكن الدور التركي يجمع بين السلاح والدبلوماسية والاقتصاد.فأنقرة تواصل التعامل مع البرهان، وتؤكد رغبتها في تطوير العلاقات الدفاعية، وفي الوقت نفسه تعلن دعمها لجهود إنهاء الحرب.وفي النهاية، فإن أهمية تركيا بالنسبة للجيش السوداني ترتبط بصورة أساسية بالتكنولوجيا العسكرية، خصوصاً الطائرات المسيرة، وبالعلاقة السياسية المباشرة مع قيادة الدولة.

وبذلك أصبحت أنقرة أحد اللاعبين الخارجيين الذين يمكن أن يؤثروا في موازين القوة داخل الحرب السودانية، ليس عبر إرسال قوات تركية للقتال، وإنما من خلال السلاح، والتكنولوجيا، والدعم الفني، والعلاقات السياسية، والقدرة على التأثير في ترتيبات ما بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى