السعودية والسودان.. دعم للجيش ووساطة تبحث عن مخرج من الحرب
تحتل السعودية موقعاً خاصاً في الحرب السودانية. فهي من جهة ترتبط بعلاقات وثيقة مع قيادة الجيش السوداني، وقدمت دعماً سياسياً ومالياً للسلطات التي يقودها عبد الفتاح البرهان، ومن جهة أخرى حاولت منذ الأيام الأولى للحرب أن تقدم نفسها كوسيط يسعى إلى وقف القتال.
هذه الازدواجية تجعل الدور السعودي مختلفاً عن أدوار الدول التي ركزت بصورة أكبر على السلاح والمساندة العسكرية المباشرة.فالرياض تريد الحفاظ على علاقتها بالجيش، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استمرار الحرب يهدد أمن البحر الأحمر، ويزيد الضغوط الإنسانية، ويؤثر في الاستقرار الإقليمي.
جدة.. نقطة البداية
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخلت السعودية مباشرة على خط الوساطة.واستضافت جدة محادثات بين ممثلي الجيش وقوات الدعم السريع، وأفضت الجهود السعودية والأميركية إلى إعلان جدة في مايو 2023، الذي ركز على حماية المدنيين والسماح بالمساعدات الإنسانية والالتزام بالقانون الدولي.
ورغم انهيار التفاهمات واستمرار القتال، ظلت جدة مركزاً مهماً للجهود الدبلوماسية المتعلقة بالسودان.وهذا منح السعودية وضعاً مختلفاً عن مجرد حليف إقليمي للجيش.
علاقة مباشرة مع البرهان
في أبريل 2026، استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في جدة.
وأعلنت وزارة الخارجية السعودية أن اللقاء تناول مستجدات الأوضاع في السودان، والجهود المبذولة بشأنها، مع التأكيد على أمن السودان واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه.اللقاء كان مهماً سياسياً لأنه جاء في وقت كانت فيه الحرب تدخل عامها الرابع، بينما كان الجيش السوداني قد استعاد مواقع مهمة داخل البلاد.وكان واضحاً أن الرياض تحافظ على قناة مباشرة مع قيادة الجيش.
هل تقدم السعودية السلاح للجيش؟
هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة.توجد مصادر وتقارير تصنف السعودية ضمن الدول الداعمة للجيش السوداني، لكن طبيعة هذا الدعم ليست مماثلة لما هو موثق بشأن بعض الإمدادات العسكرية الأخرى.وتشير وثيقة حكومية بريطانية عن الوضع الأمني في السودان، محدثة في يوليو 2026، إلى أن السعودية اصطفّت سياسياً مع القوات المسلحة السودانية، بينما كانت أيضاً منخرطة في جهود الوساطة.
وفي المقابل، ذكرت تقارير في أبريل 2026 أن الرياض قدمت للجيش دعماً مالياً وسياسياً ودبلوماسياً، في وقت كانت فيه صفقة أسلحة سودانية مع باكستان تواجه عقبات، وقالت تقارير إن السعودية طلبت وقف الصفقة ولم تمولها.هذه المعطيات مهمة لأنها تظهر أن الدور السعودي لا يمكن وصفه ببساطة بأنه برنامج تسليح مباشر للجيش.
فالسعودية تدعم قيادة الجيش سياسياً، وتحافظ على علاقاتها بها، لكنها في بعض الحالات اتخذت مواقف لا تتطابق مع فكرة زيادة الإمدادات العسكرية.
الرياض والبحر الأحمر
السودان بالنسبة للسعودية ليس دولة بعيدة.يفصل البحر الأحمر بين البلدين، وتوجد مصالح اقتصادية وأمنية مباشرة مرتبطة بالملاحة والطاقة والموانئ والتجارة.أي انهيار طويل الأمد في السودان يمكن أن يؤدي إلى زيادة التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود، كما يمكن أن يؤثر في أمن البحر الأحمر.
ولهذا تنظر الرياض إلى استقرار السودان باعتباره جزءاً من أمنها الإقليمي.وفي يوليو 2026، قادت السعودية مبادرة لتشكيل تعاون بحري متعدد الدول بهدف تعزيز أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وشاركت السودان ومصر وتركيا ضمن الدول التي دعمت المبادرة.وهذا يعكس اتساع النظرة السعودية إلى السودان من مجرد ملف حرب داخلية إلى جزء من منظومة أمن البحر الأحمر.
الدعم السياسي للجيش
منذ بداية الحرب، حافظت السعودية على علاقات قوية مع البرهان.الدعم السياسي لا يعني بالضرورة إعطاء أوامر عسكرية أو إدارة العمليات، لكنه يوفر للقيادة السودانية مساحة دبلوماسية مهمة.فالمملكة قوة عربية وإقليمية كبيرة، ولها علاقات واسعة مع الولايات المتحدة ودول الخليج والدول العربية والأفريقية.ولهذا فإن استمرار التواصل بين الرياض والخرطوم يمنح الجيش السوداني قناة دبلوماسية مهمة.وفي فبراير 2026، أعلنت السعودية موقفاً قوياً ضد الهجمات التي نفذتها قوات الدعم السريع في كردفان، وأكدت دعمها لوحدة السودان وسلامة أراضيه، كما أدانت تدفق الأسلحة والمقاتلين الأجانب إلى البلاد.
الرياض تحاول الجمع بين الدعم والوساطة
هذه هي السمة الأساسية للسياسة السعودية في السودان.فالرياض لا تريد انهيار الجيش أو تفكك مؤسسات الدولة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حرباً مفتوحة إلى أجل غير مسمى.
ولهذا حافظت على اتصالات مع قيادة الجيش، وشاركت في جهود الوساطة، ودعت إلى وقف القتال.وفي يونيو 2026، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا في القاهرة، وكان السودان ضمن الملفات الأساسية التي بحثوها، مع تأكيد الدول الثلاث أهمية التنسيق الإقليمي ودعم الاستقرار وحل الأزمات.
كما استمرت الجهود الدولية والإقليمية في 2026، مع تحركات من المجموعة الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والتي أعلنت استمرار التنسيق مع الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بالسودان.
لماذا لا تركز السعودية على التدخل العسكري المباشر؟
السعودية لديها تجربة طويلة مع التدخلات العسكرية في المنطقة، لكنها في الملف السوداني تبدو أكثر حذراً.السبب الأول أن السودان يشكل بيئة شديدة التعقيد.والسبب الثاني أن التدخل المباشر قد يوسع الحرب بدلاً من إنهائها.والسبب الثالث أن الرياض تريد الاحتفاظ بدور الوسيط، وهو دور يصعب القيام به إذا تحولت إلى طرف عسكري معلن.لذلك يبدو الدعم السعودي للجيش، وفق المعطيات المتاحة علناً، أقرب إلى الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي والعلاقات الاستراتيجية منه إلى إرسال قوات أو إدارة عمليات قتالية مباشرة.
تأثير الرياض على مسار الحرب
يصعب قياس التأثير السعودي عسكرياً بصورة منفصلة عن بقية الداعمين للجيش.لكن التأثير السياسي والدبلوماسي أكثر وضوحاً.فالرياض تستضيف الاجتماعات، وتتواصل مباشرة مع البرهان، وتشارك في مبادرات وقف إطلاق النار،وتستخدم علاقاتها الإقليمية والدولية للضغط من أجل التسوية.كما أن موقعها الجغرافي يمنحها مصلحة مباشرة في منع تحول البحر الأحمر إلى امتداد للصراع السوداني.
ولهذا فإن السعودية تحتاج إلى الحفاظ على توازن دقيق: دعم مؤسسات الدولة السودانية من جهة، وعدم التحول إلى طرف عسكري كامل في الحرب من جهة أخرى.
الحرب تدخل عامها الرابع
في سبتمبر 2026، حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة يساهم في استمرار الحرب، ودعا إلى محاسبة الجهات التي تزود الأطراف بالأسلحة التي تستخدم ضد المدنيين.هذه البيئة الدولية تجعل هامش الحركة أمام السعودية أكثر حساسية.
فالرياض تستطيع الاستمرار في دعم الجيش سياسياً، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى إبقاء نفسها ضمن مسار التفاوض والوساطة.ومن هنا يمكن فهم استمرار اللقاءات بين المسؤولين السعوديين والسودانيين، بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.
السعودية والسودان بعد الحرب
حتى إذا استمرت المعارك، فإن الرياض تستعد عملياً للمرحلة التي ستأتي بعدها.السودان يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة إعمار المدن، وإصلاح البنية التحتية، واستعادة الاقتصاد، وإعادة تأهيل الموانئ والطرق والمطارات.
والسعودية، بحكم قدراتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي، يمكن أن تكون لاعباً مهماً في هذه المرحلة.لكن ذلك يتوقف على طبيعة التسوية السياسية التي ستخرج من الحرب.
حتى سبتمبر 2026، يمكن وصف السياسة السعودية تجاه السودان بأنها مزيج من دعم سياسي واضح للجيش ومؤسسات الدولة، علاقات مالية ودبلوماسية، وساطة مستمرة، واهتمام مباشر بأمن البحر الأحمر.أما الحديث عن تسليح سعودي مباشر واسع النطاق للجيش، فيحتاج إلى التمييز بين التقارير التي تصف السعودية كداعم للجيش وبين الأدلة العلنية على صفقات السلاح، وهي أقل وضوحاً.
وهكذا يبقى الدور السعودي مختلفاً في طبيعته: الرياض لا تتعامل مع السودان فقط كساحة صراع، بل كجزء من منظومة أمن إقليمي تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، ولذلك تحاول الحفاظ على نفوذها وعلاقتها بالجيش، مع إبقاء باب الوساطة مفتوحاً أمام إنهاء الحرب.




