تسريبات

كيف تحول الدعم الخارجي إلى وقود لحرب السودان؟

برزت السعودية وقطر ومصر وتركيا بوصفها دولاً سعت، بدرجات مختلفة، إلى الحفاظ على نفوذها داخل السودان والتأثير في شكل الدولة السودانية المقبلة


منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، لم تعد المعركة مجرد صراع داخلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فمع مرور الوقت، تحولت الحرب إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية متعددة، وأصبح الدعم السياسي والعسكري واللوجستي القادم من الخارج عاملاً مؤثراً في قدرة الأطراف المتحاربة على الاستمرار. وفي هذا السياق برزت السعودية وقطر ومصر وتركيا بوصفها دولاً سعت، بدرجات مختلفة، إلى الحفاظ على نفوذها داخل السودان والتأثير في شكل الدولة السودانية المقبلة.

ولا يعني ذلك أن هذه الدول هي التي بدأت الحرب، أو أن مسؤولية استمرار القتال تقع عليها وحدها. جذور الحرب تعود أساساً إلى الصراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وإلى فشل عملية الانتقال السياسي وترتيبات دمج القوات المسلحة المختلفة في مؤسسة عسكرية واحدة. لكن الحرب التي كان يمكن أن تتحول إلى مواجهة قصيرة نسبياً أصبحت أكثر تعقيداً مع دخول المصالح الإقليمية على الخط.

وتظهر أهمية العامل الخارجي بصورة واضحة في تطور طبيعة العمليات العسكرية. فالأمم المتحدة حذرت في سبتمبر/أيلول 2026 من أن إمداد أطراف النزاع بالسلاح والتكنولوجيا والأفراد والدعم اللوجستي يمنح المتحاربين قدرة أكبر على تنفيذ هجمات واسعة، بما فيها استخدام الطائرات المسيّرة ضد أهداف بعيدة.

في الحالة السعودية، اتخذ الدور منذ بداية الحرب شكلاً مزدوجاً. فمن جهة، احتضنت الرياض مع الولايات المتحدة مفاوضات جدة بين الجيش وقوات الدعم السريع. وقد أنتجت تلك المفاوضات إعلاناً للالتزام بحماية المدنيين، ثم بيانات وتعهدات لاحقة، لكنها لم تنجح في فرض وقف مستدام للقتال.

ومن جهة أخرى، ارتبطت السعودية سياسياً وأمنياً بالجيش السوداني، باعتباره المؤسسة الرسمية للدولة في نظر الرياض، وهو ما وضعها عملياً في موقع أقرب إلى قيادة الجيش من قوات الدعم السريع. وتقول تحليلات إقليمية حديثة إن الرياض والقاهرة وتركيا وقطر تنظر إلى الجيش باعتباره الطرف الأكثر ارتباطاً بمفهوم الدولة السودانية ومؤسساتها.

هنا تظهر المفارقة السعودية: الدولة التي شاركت في رعاية مسار تفاوضي لوقف الحرب كانت في الوقت نفسه تتحرك داخل بيئة إقليمية داعمة للجيش. وهذا التناقض لا يعني بالضرورة أن هدف الرياض كان استمرار الحرب، لكنه يعني أن قدرتها على ممارسة ضغط متساوٍ على الطرفين ظلت محدودة.

أما مصر، فدورها أكثر ارتباطاً بالجغرافيا والأمن القومي. السودان بالنسبة إلى القاهرة ليس دولة بعيدة يمكن التعامل معها باعتبارها أزمة إقليمية عابرة، بل دولة حدودية ترتبط معها ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها أمن الحدود وحوض النيل ومستقبل الدولة السودانية.

ولهذا أعلنت القاهرة منذ بداية الحرب دعماً سياسياً واضحاً للمؤسسة العسكرية السودانية. ومع تطور الحرب، ظهرت تقارير عن انتقال الدور المصري من الدعم السياسي إلى مستويات أكثر مباشرة. ففي فبراير/شباط 2026، نشرت رويترز تقريراً عن صور أقمار صناعية أظهرت وجود طائرات مسيّرة تركية من طراز «أكنجي» في قاعدة مصرية قريبة من الحدود السودانية، في سياق اعتبره مسؤولون وخبراء مؤشراً إلى انخراط مصري أعمق في الحرب. كما اتهمت قوات الدعم السريع مصر بتنفيذ غارات، وهو ما نفته القاهرة.

وتكشف هذه التطورات كيف يمكن للدعم العسكري غير المباشر أن يغير ميزان الحرب. فحين يحصل طرف على قدرات جوية أو مسيّرات أو معلومات استخباراتية أو تدريب، لا يصبح الأمر مجرد دعم سياسي، بل يتحول إلى عنصر قادر على تغيير طبيعة المعركة نفسها.

أما تركيا، فقد دخلت الحرب من بوابة مختلفة. فعلاقات أنقرة مع السودان سبقت الحرب بسنوات، وكانت تشمل التعاون الاقتصادي والعسكري ومشروعات استراتيجية في البحر الأحمر. ومع اندلاع الحرب، ارتبط اسم تركيا بتوفير طائرات مسيّرة للجيش السوداني. وتقول مصادر متعددة إن القوات المسلحة السودانية حصلت على طائرات «بيرقدار» التركية، بينما أشارت تقارير أخرى إلى وجود طائرات «أكنجي» ضمن القدرات الجوية التي يستخدمها الجيش.

وفي مارس/آذار 2025، أفادت صحيفة «واشنطن بوست» بوجود وثائق واتصالات قالت إنها تكشف قيام شركة أسلحة تركية بتسهيل نقل أسلحة إلى الجيش السوداني. وهذه الرواية تظل مرتبطة بما أوردته الصحيفة من وثائق، ولا تعني بالضرورة ثبوت مسؤولية الدولة التركية عن كل عملية توريد.

لكن النتيجة العسكرية لا يمكن تجاهلها: دخول المسيّرات المتقدمة إلى ساحة القتال ساعد على تحويل الحرب السودانية إلى حرب تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا الجوية، وهو ما جعل خطوط المواجهة أقل ثباتاً ورفع قدرة الطرفين على استهداف مناطق بعيدة.

قطر بدورها اتخذت موقفاً أكثر هدوءاً وأقل ظهوراً من بعض الأطراف الأخرى. لكن تقارير بحثية وصحفية تحدثت عن علاقات سياسية ومالية مع قيادة الجيش، وعن مزاعم بشأن إمدادات عسكرية. وتشير Africa Intelligence إلى أن الدوحة كانت داعماً سياسياً ومالياً للبرهان، وأنها قدمت، وفق التقرير، أسلحة للقوات المسلحة السودانية.

كما ظهرت تقارير أخرى تتحدث عن دعم قطري عسكري أكثر سرية، لكنها تعتمد بدرجة أكبر على ادعاءات لم يتسن التحقق المستقل منها بالكامل.

وهنا يجب التفريق بين نوعين من الأدوار: الأول هو الدور المثبت من خلال صفقات أو معدات أو تحركات يمكن رصدها، والثاني هو الاتهامات المتعلقة بعمليات سرية أو شحنات غير معلنة. وفي الحرب السودانية اختلط النوعان بصورة كبيرة، ما يجعل التدقيق في كل حالة ضرورياً.

المشكلة الأساسية ليست فقط في حصول الجيش على الدعم، بل في أن الدعم الخارجي من عدة عواصم يمكن أن يخلق لدى أطراف الحرب اعتقاداً بأن بإمكانها تحسين موقعها عسكرياً بدلاً من تقديم تنازلات سياسية. وعندما يعتقد كل طرف أن حلفاءه الخارجيين قادرون على تعويض خسائره، يصبح وقف الحرب أصعب.

وهذا ما يجعل الدعم الخارجي عاملاً في إطالة الحرب، حتى عندما تكون نية الدولة الداعمة المعلنة هي حماية الدولة أو منع انهيارها.

لقد تحولت السودان تدريجياً إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية ترى في الجيش أو مؤسسات الدولة أو الموانئ أو البحر الأحمر أو الأمن الحدودي مصالح استراتيجية. وفي هذه البيئة لم يعد القرار العسكري سودانياً بالكامل، ولم يعد القرار السياسي منفصلاً عن حسابات العواصم الإقليمية.

وبالتالي فإن السؤال لم يعد فقط: لماذا بدأ السودانيون الحرب؟ بل أصبح أيضاً: لماذا استطاعت الحرب أن تستمر كل هذه السنوات؟

والإجابة تتضمن عاملاً مهماً: عندما تتدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة والتمويل والدعم السياسي إلى أطراف النزاع، تصبح تكلفة استمرار الحرب أقل بالنسبة إلى القيادات المتحاربة، بينما تتحمل غالبية التكلفة المجتمعات المدنية.

ولهذا فإن أي عملية سلام جادة في السودان لا يمكن أن تكتفي بالتفاوض مع طرفي الحرب. بل تحتاج أيضاً إلى التعامل مع البيئة الإقليمية التي تسمح باستمرار تدفق الموارد السياسية والعسكرية إلى ساحة المعركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى