الجيش السوداني والأسلحة الكيميائية.. اتهامات تتسع وتحقيق دولي يقترب من الواجهة
تتجه الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني بشأن استخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب إلى مرحلة جديدة، بعدما ظهرت معطيات ووثائق وصور ومقاطع فيديو واتصالات منسوبة إلى مسؤولين عسكريين سودانيين، أعادت إلى الواجهة ملفاً شديد الحساسية ظل لفترة طويلة محاطاً بالنفي والغموض. وفي الوقت الذي تطالب فيه أصوات من خبراء في مجال الأسلحة الكيميائية بإجراء تحقيق دولي مستقل، تؤكد السلطات العسكرية السودانية أن هذه الاتهامات لا تستند إلى أدلة مادية كافية.
وخلال ندوة نظمها نادي جنيف للصحافة، برزت دعوات إلى توسيع التحقيق في الاتهامات المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، باعتبار أن ثبوت استخدامها يمكن أن يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم حرب بحسب ملابسات كل واقعة والأدلة التي تثبتها. وقال مارك ألبون، مدير مجموعة “ثيميس” والمحقق السابق في قضايا استخدام الأسلحة الكيميائية، إن تزايد الاهتمام الدولي والإعلامي بهذا الملف يمكن أن يشكل ضغطاً من أجل السماح بتحقيق دولي داخل السودان.
وبحسب ألبون، فإن هناك مؤشرات قوية على وقوع حادثة واحدة على الأقل يُشتبه في ارتباطها باستخدام مواد كيميائية في منطقة مصفاة الجيلي شمال الخرطوم خلال عام 2024، إلا أن غياب الوصول المباشر إلى الموقع يجعل من الصعب حتى الآن تحديد طبيعة المادة المستخدمة بصورة نهائية، أو الطريقة التي جرى بها استخدامها، أو المسؤولية المباشرة عن الواقعة. ولذلك، فإن أهمية التحقيق لا تكمن فقط في إثبات أو نفي الاتهام، وإنما أيضاً في تحديد نوع السلاح والجهة التي استخدمته والظروف التي أحاطت بالهجوم.
وتكتسب مصفاة الجيلي أهمية خاصة في هذا الملف، بعدما ورد اسمها في أكثر من رواية وتقارير إعلامية مرتبطة بالاتهامات. وكانت المنطقة خاضعة في مراحل من الحرب لسيطرة قوات الدعم السريع، ما جعلها هدفاً للعمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة السودانية في إطار الصراع على الخرطوم والمنشآت الاستراتيجية المحيطة بها.
وتقول تقارير حديثة إن الأدلة الجديدة تشير إلى وجود برنامج عسكري سوداني سري لتطوير ذخائر تعتمد على غاز الكلور خلال عام 2024. فقد نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” في سبتمبر/أيلول 2026 تحقيقاً استند إلى ملف ضم قرابة 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسائل صوتية، إضافة إلى آلاف الرسائل النصية، وقالت إن جزءاً كبيراً منها يبدو أنه جاء من هواتف مسؤولين عسكريين سودانيين.
وبحسب التحقيق، تظهر الوثائق ما وصف بأنه برنامج استمر نحو ستة أشهر لتطوير ذخائر قائمة على الكلور، مع وجود تصاميم لذخائر واختبارات في مناطق صحراوية، فضلاً عن معلومات بشأن تخزين عدد من الذخائر في منشآت عسكرية. كما أشارت الصحيفة إلى أن بعض المواد التي اطلعت عليها أجهزة استخبارات أمريكية في وقت سابق كانت من بين العوامل التي ساهمت في تقييم واشنطن لوجود أسلحة كيميائية في السودان.
وتضيف المعطيات المنشورة أن البرنامج ارتبط بضابط سوداني هو العميد طارق حسين، الذي قيل إنه أشرف على عملية تطوير الذخائر واختبارها. وتشير الرسائل التي نشرتها الصحيفة إلى تجارب على ذخائر محملة بالكلور، وإلى تصنيع مئات الذخائر خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. كما وردت في الملف معلومات عن اختبار إحدى الذخائر في الصحراء بعد نقلها جواً من مطار مروي.
غير أن هذه التفاصيل، رغم أهميتها، لا تعني وحدها أن كل الاتهامات أصبحت مثبتة قضائياً أو علمياً بصورة نهائية. فالتحقق من استخدام سلاح كيميائي في ظروف الحرب يتطلب عادة الوصول إلى مواقع الهجمات، وجمع عينات، وفحص بقايا الذخائر والمواد الكيميائية، والاستماع إلى الشهود والضحايا، ومقارنة الأدلة المادية بالصور والاتصالات والوثائق.
وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات الملف السوداني. فالحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 جعلت الوصول إلى عدد كبير من المناطق أمراً بالغ الصعوبة، كما أن المواقع التي يُشتبه في وقوع هجمات كيميائية فيها تعرض بعضها للقتال والدمار والتغيير المستمر في السيطرة العسكرية.
وتعزز تحقيق آخر نشرته صحيفة “واشنطن بوست” أهمية هذه النقطة، بعدما قالت إن وثائق وفيديوهات ورسائل اطلعت عليها تشير إلى إنشاء مخزون سري من الأسلحة الكيميائية، وإلى تصنيع ذخائر تحتوي على الكلور واختبارها في مناطق صحراوية. كما تحدث التحقيق عن محاولات لإخفاء آثار البرنامج بعد اكتشافه من جانب الولايات المتحدة.
وتشير التقارير إلى أن جزءاً من الكلور المستخدم في البرنامج المزعوم ربما تم الحصول عليه من مصادر مدنية مخصصة لمعالجة المياه، وهي نقطة تزيد حساسية القضية، لأن تحويل مواد مخصصة للاستخدام الإنساني إلى مكونات في أسلحة خلال حرب أهلية يفتح الباب أمام أسئلة إضافية بشأن كيفية الحصول عليها، ومن أصدر الأوامر باستخدامها، وما إذا كانت المنشآت المدنية قد تعرضت للاستغلال العسكري.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في وقت سابق اتخاذ إجراءات ضد السودان وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان على خلفية اتهامات مرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية. كما واصلت واشنطن خلال 2026 الضغط على الخرطوم بشأن هذا الملف، في وقت أكدت فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن دولاً طلبت منها الحصول على توضيحات من السودان بشأن الاتهامات، وأن المسار المتعلق بهذه الطلبات لا يزال مستمراً.
وتعود جذور الاتهامات الأمريكية إلى تقييمات قالت واشنطن إنها خلصت إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية خلال الحرب. غير أن نشر تفاصيل جديدة في سبتمبر/أيلول 2026 أعاد فتح النقاش على مستوى أوسع، لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط بتقييم حكومي أمريكي، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بكم كبير من المواد التي تقول مؤسسات إعلامية دولية إنها حصلت عليها وراجعتها مع خبراء ومسؤولين سابقين.
وفي المقابل، رفض الجيش السوداني الاتهامات الواردة في الملفات المنشورة، ووصفها بأنها بلا أساس مادي، مؤكداً أن السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. وهذا النفي يمثل جزءاً أساسياً من الصورة التي ينبغي أن يحيط بها أي تحقيق مهني، خصوصاً أن الأدلة المنشورة حتى الآن لا تعادل حكماً قضائياً نهائياً، وأن الوصول إلى الحقيقة الكاملة يتطلب فحصاً مستقلاً ومباشراً.
وتظهر منطقة الخرطوم ومصفاة الجيلي في قلب الروايات المتعلقة بالهجمات المزعومة. فقد تحدثت حكومة السلام السودانية، التابعة لتحالف “تأسيس”، عن عدد من المناطق التي تشتبه في تعرضها لهجمات كيميائية، بينها الخرطوم ومحيط القصر الجمهوري ومصفاة الجيلي وحي صالحة في أم درمان. كما أشارت إلى مواقع في شمال دارفور وشمال كردفان قالت إنها تشتبه في تعرضها لهجمات مماثلة خلال عام 2025.
لكن هذه المواقع تظل، حتى الآن، جزءاً من ملف الاتهامات والمعلومات المتداولة، وليس قائمة نهائية بهجمات ثبتت مسؤولية جهة معينة عنها. فإثبات استخدام سلاح كيميائي يختلف عن إثبات وقوع قصف عسكري، كما أن إثبات وجود مادة كيميائية في موقع ما لا يكفي وحده لإثبات مصدرها أو الجهة التي أطلقتها.
وفي حالة الجيلي تحديداً، تزداد أهمية التحقيق بسبب تضارب وتعدد الروايات. فقد أشار الملف الذي نشرته “نيويورك تايمز” إلى أن ضباطاً عسكريين سودانيين تحدثوا في رسائل عن استخدام ذخائر تعتمد على الكلور ضد قوات الدعم السريع في منطقة المصفاة، بينما أظهرت تحقيقات أخرى وجود مؤشرات مرتبطة بالتعرض لمواد كيميائية، من دون أن يعني ذلك أن كل التفاصيل المتعلقة بنوع الذخيرة أو مصدر المادة قد حُسمت بصورة مستقلة.
وتطرح هذه القضية سؤالاً أوسع من حدود المعركة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع: هل وصلت الحرب في السودان إلى مرحلة جرى فيها إدخال أسلحة محظورة دولياً إلى ساحة القتال؟
إذا أثبت تحقيق مستقل أن أسلحة كيميائية استُخدمت بالفعل ضد مقاتلين أو مدنيين، فإن المسألة لن تبقى مجرد اتهام سياسي متبادل بين طرفي الحرب. استخدام الأسلحة الكيميائية محظور بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، كما أن استخدام وسائل وأساليب قتال محظورة يمكن أن يترتب عليه مسؤولية جنائية وفق القانون الدولي بحسب الوقائع والأدلة والسياق.
ولهذا السبب تحديداً يطالب خبراء بفتح تحقيق دولي أوسع. فالتحقيق المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: “هل استخدم الجيش السوداني أسلحة كيميائية؟”، بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر تفصيلاً: أين وقعت الهجمات؟ ومتى؟ وما المواد المستخدمة؟ ومن أمر بتصنيعها أو نقلها؟ ومن أصدر أوامر استخدامها؟ وما حجم الإنتاج؟ وهل تم تخزين أسلحة كيميائية بالفعل؟ وهل وصلت إلى مناطق أخرى غير الجيلي؟ وهل أصيب مدنيون بها؟ وهل جرى التخلص من الأدلة بعد اكتشاف البرنامج؟
وتكتسب مسألة المسؤولية أهمية إضافية إذا ثبتت صحة الاتصالات المنسوبة إلى مسؤولين عسكريين كبار، والتي تزعم تقارير صحفية أنها تظهر معرفة القيادة العسكرية بالبرنامج. لكن حتى في هذه الحالة، فإن تحديد المسؤولية الجنائية لشخص بعينه يحتاج إلى تقييم مستقل للأدلة، وإثبات سلسلة القيادة والأوامر والعلم والقصد، وليس مجرد وجود اسم مسؤول في رسالة أو وثيقة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل ملف الأسلحة الكيميائية عن السياق الأوسع للحرب السودانية، التي شهدت منذ اندلاعها اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة من جانب أطراف النزاع. ولذلك فإن إثبات استخدام سلاح كيميائي سيضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى ملف دولي قائم أصلاً حول جرائم الحرب والانتهاكات ضد المدنيين.
المفارقة أن أخطر ما في الملف قد لا يكون فقط احتمال استخدام الكلور في بعض المعارك، وإنما احتمال وجود برنامج منظم لتطوير وتصنيع وتخزين ذخائر كيميائية. فإذا تأكدت هذه الرواية، فإن التحقيق لن يكون أمام حادثة منفردة، بل أمام منظومة تحتاج إلى تحديد حجمها ومدتها وأهدافها والمسؤولين عنها.
ومع ذلك، يبقى الوصول إلى الحقيقة مرتبطاً بقدرة جهات التحقيق الدولية على الوصول إلى السودان والمواقع التي وردت أسماؤها في التقارير. فالأدلة الرقمية والوثائق والرسائل يمكن أن ترسم صورة أولية مهمة، لكنها لا تغني عن الأدلة الميدانية في القضايا الكيميائية، حيث يمكن أن يكون تحديد المادة المستخدمة وتركيزها وطريقة انتشارها عاملاً حاسماً في إثبات الواقعة.
ولهذا تبدو الدعوات إلى تحقيق دولي أكثر إلحاحاً مع اتساع حجم المعلومات المنشورة. فكلما زادت الوثائق والصور والرسائل التي تظهر إلى العلن، زادت الحاجة إلى جهة مستقلة تستطيع اختبارها، ومقارنتها بالأدلة المادية، والاستماع إلى الشهود، والوصول إلى مواقع الهجمات المفترضة.
وفي انتظار ذلك، تظل قضية “كيماوي السودان” عالقة بين ثلاث مستويات: اتهامات رسمية أمريكية، وملفات ووثائق صحفية جديدة تعزز تلك الاتهامات، ونفي سوداني يطالب بأدلة مادية حاسمة. وبين هذه المستويات، يبقى التحقيق المستقل هو الطريق الأكثر مباشرة للإجابة عن السؤال الذي يزداد إلحاحاً مع مرور الوقت: هل تحولت الأسلحة الكيميائية فعلاً إلى جزء من ترسانة الحرب في السودان، أم أن بعض الأدلة المتداولة تحتاج إلى تحقق ميداني قبل الوصول إلى هذه النتيجة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط حقيقة ما جرى في الجيلي أو الخرطوم، وإنما ستحدد أيضاً طبيعة المسؤولية عن واحدة من أخطر الاتهامات التي يمكن أن تواجه طرفاً في الحرب السودانية.




