تحقيقات

6 ملايين دولار لـ«مؤثري الحرب».. من يمول ماكينة الدعاية في السودان؟


بعيداً عن جبهات القتال المباشرة، تدور في السودان معركة أخرى على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتنافس أطراف ومجموعات على تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاش بشأن الحرب وتداعياتها. تفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز طبيعة الخطاب المنشور إلى مصادر تمويله والجهات التي تقف خلف إنتاجه وانتشاره.

وبحسب مصادر جرى خلال فترة الحرب تخصيص ميزانيات تتجاوز 6 ملايين دولار لتمويل أنشطة إعلامية ورقمية، شملت مبالغ بالعملة الصعبة ومزايا أخرى قُدمت لمؤثرين وصناع محتوى مقابل إنتاج ونشر مواد ذات طابع تعبوي.

وتقول المصادر إن الأموال لم تُخصص للإنتاج الإعلامي التقليدي وحده، وإنما وُزعت، وفق آليات مختلفة، على من تصفهم المصادر بـ «مؤثري الحرب»، بهدف ضمان استمرار تدفق المحتوى الداعم لخطاب الحرب على شبكات التواصل الاجتماعي والوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور.

أموال بالدولار ومزايا خارج إطار الأجور التقليدية

لم يقتصر الدعم على دفعات مالية مباشرة، بل شمل تخصيص مبالغ بالعملة الصعبة، وتذاكر سفر، وإقامات فندقية لبعض المؤثرين وصناع المحتوى.

وتشير المصادر إلى أن هذه الامتيازات ارتبطت بإنتاج وبث مقاطع ومحتوى رقمي يقدم رواية مؤيدة لاستمرار العمليات العسكرية، إلى جانب مواد تسعى إلى تفسير أو تبرير الأزمات المعيشية والخدمية التي يعاني منها السودانيون منذ اندلاع الحرب.

ويثير هذا النمط من الإنفاق أسئلة بشأن طبيعة العلاقة بين الجهات الممولة والحسابات والأسماء التي تظهر أمام الجمهور بوصفها أصواتاً مستقلة، خصوصاً إذا لم يُكشف للمتابعين عن وجود تمويل أو مقابل مادي وراء المحتوى المنشور.

من يقف خلف التمويل؟

 نسبت إدارة جانب رئيسي من هذه الأنشطة إلى المركز القومي للإنتاج الإعلامي، إلى جانب مجموعة تعرف باسم «كتيبة الدفاع الإلكتروني»، المرتبطة بعناصر من النظام السابق والحركة الإسلامية.

وبحسب المعلومات التي قدمتها المصادر، تتوزع الأدوار بين توفير الموارد المالية واللوجستية من جهة، وإدارة النشاط الرقمي وإنتاج ونشر المحتوى وتوسيع نطاق تداوله من جهة أخرى.

صناعة رواية موازية للحرب

الأكثر أهمية في المعلومات لا يتعلق بحجم الأموال وحده، بل بطبيعة المحتوى المطلوب مقابلها.

فبحسب المصادر، تركز جانب من المواد المنتجة على تجميل استمرار الحرب وتقديمها باعتبارها خياراً لا بديل عنه، بالتوازي مع خطاب يسعى إلى تخفيف أثر الانتقادات المرتبطة بتدهور الخدمات والظروف الاقتصادية والمعيشية.

وفي هذا السياق، يتحول المؤثر من مجرد صاحب رأي إلى جزء محتمل من منظومة اتصال سياسي، إذا كان المحتوى الذي يقدمه مرتبطاً بمقابل مالي أو امتيازات لوجستية من جهة صاحبة مصلحة في تشكيل اتجاهات الجمهور.

كما تمنح طبيعة منصات التواصل هذه الآلية قدرة أكبر على التأثير؛ إذ يصل المحتوى إلى الجمهور عبر أشخاص اعتاد متابعتهم، وليس بالضرورة من خلال مؤسسات أو منصات سياسية معلنة، ما يجعل التمييز بين الرأي الشخصي والمحتوى الممول أكثر صعوبة.

أكثر من 6 ملايين دولار.. أين ذهبت؟

وتضع المعلومات المتاحة مبلغ أكثر من 6 ملايين دولار في قلب القضية، لكنها تفتح في الوقت نفسه سلسلة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات.

من هم المستفيدون الفعليون من هذه الأموال؟ وكيف تم اختيار المؤثرين وصناع المحتوى؟ وهل كانت المدفوعات تتم بصورة مباشرة أم عبر وسطاء؟ وما حجم المبالغ التي حصل عليها كل مستفيد؟ ومن تحمل تكاليف السفر والإقامة؟ وهل توجد عقود أو أوامر صرف أو قوائم مالية توثق هذه النفقات؟

كما يبقى السؤال الأوسع متعلقاً بمصدر الأموال نفسها، وما إذا كانت قد جاءت من ميزانيات عامة أو موارد مؤسسات رسمية أو مصادر أخرى.

الإجابة عن هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في بلد يواجه واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والإنسانية، حيث اكتسبت العملات الأجنبية قيمة استثنائية مع تراجع الموارد واتساع الاحتياجات الأساسية للسكان.

حرب على الوعي بالتوازي مع الميدان

تكشف المعلومات جانباً من تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة موازية للحرب السودانية، لا تقل أهمية لدى الأطراف الساعية إلى التأثير في اتجاهات الرأي العام عن وسائل الإعلام التقليدية.

فالمعركة لم تعد مقتصرة على السيطرة على الأرض، وإنما امتدت إلى السيطرة على الرواية: من يتحمل مسؤولية الحرب؟ من يملك الشرعية؟ وكيف ينبغي تفسير ارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات واستمرار القتال؟

وفي هذه البيئة، يصبح التمويل غير المعلن للمحتوى قضية تتعلق بحق الجمهور في معرفة ما إذا كان الخطاب الذي يتلقاه يعكس رأياً مستقلاً أم جزءاً من حملة مدفوعة ومنظمة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى