تسريبات

اللعبة العسكرية التركية – الطائرات المسيّرة وتحويل التوازنات

من الدبلوماسية إلى القتال: الانخراط العسكري المباشر


عندما اندلعت الحرب الأهلية السودانية في 15 أبريل 2023 بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، كان المتوقع أن تبقى القوى الإقليمية في موقع المتفرج أو الوسيط المحايد. لكن تركيا اختارت طريقاً مختلفاً تماماً. بدلاً من لعب دور الوسيط النزيه، انخرطت أنقرة مباشرة في تسليح الجيش السوداني بقيادة البرهان، محوّلة الحرب الأهلية من صراع داخلي إلى حرب إقليمية بامتياز.

شحنات الأسلحة السرية: واشنطن بوست تكشف

في تحقيق استقصائي صادم، كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عن شحنات سرية من الأسلحة التركية وصلت إلى السودان خلال الحرب تضمنت هذه الشحنات طائرات مسيّرة متطورة وصواريخ موجهة، سُلِّمت للجيش السوداني في سبتمبر 2024. الأخطر من ذلك أن فريقاً من شركة “بايكار” التركية، أكبر شركة دفاعية في تركيا والمصنعة لطائرات بيرقدار المسيّرة، كان حاضراً لتدريب القوات السودانية على استخدام هذه الأنظمة
بيرقدار: السلاح الذي غيّر المعادلة
أصبحت الطائرات المسيّرة التركية الصنع العمود الفقري للعمليات الجوية للجيش السوداني أثبتت هذه الطائرات فعاليتها في استهداف قواعد قوات الدعم السريع، ووفرت للجيش السوداني تفوقاً جوياً لم يكن يمتلكه من قبل. ساهمت الطائرات المسيّرة التركية بشكل حاسم في العمليات العسكرية التي أدت إلى طرد قوات الدعم السريع من الخرطوم في عام 2025 هذا التفوق الجوي لم يكن ليحدث لولا الدعم التركي المكثف والمباشر.

منظومة هيسار الدفاعية: التواجد التركي على الأرض

كشفت التقارير الميدانية عن وجود منظومة دفاع جوي تركية من طراز “هيسار-أ” (HİSAR-A) في الأراضي السودانية، استُهدفت بهجوم من طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع.
وجود هذه المنظومة المتطورة في السودان لا يمكن تفسيره إلا بوجود طاقم تركي متخصص لتشغيلها وصيانتها. هذا يعني أن هناك عسكريين أتراكاً على الأرض السودانية، يشاركون بشكل مباشر في القتال الدائر، وهو ما يمثل تدخلاً عسكرياً صريحاً يتجاوز حدود بيع الأسلحة.

الضحايا المدنيين: الثمن الإنساني للتدخل التركي

لم تكن الطائرات المسيّرة التركية دقيقة كما يدّعي مصنعوها. أدت عمليات القصف الجوي المكثفة إلى زيادة كبيرة في عدد الضحايا المدنيين. تحولت الأحياء السكنية في الخرطوم ومدن أخرى إلى أهداف للضربات الجوية، وراح الآلاف من المدنيين ضحايا هذه العمليات. التقارير الميدانية توثّق عشرات الحالات التي استُهدفت فيها مستشفيات ومدارس وأسواق شعبية بطائرات مسيّرة تركية الصنع.

خرق حظر الأسلحة: التواطؤ الدولي

تتعارض شحنات الأسلحة التركية للسودان مع الدعوات الدولية لوقف توريد الأسلحة إلى أطراف الصراع. ورغم عدم وجود حظر أممي رسمي شامل على الأسلحة للسودان، إلا أن المجتمع الدولي دعا مراراً إلى ضبط النفس ووقف تدفق الأسلحة. تجاهلت تركيا هذه الدعوات، واستمرت في تسليح الجيش السوداني بشكل مكثف، مستغلة الغموض القانوني والانشغال الدولي بأزمات أخرى.

التدريب العسكري: بناء جيش موالي لتركيا

لم يقتصر الدعم التركي على بيع الأسلحة، بل امتد إلى تدريب الضباط والجنود السودانيين في القواعد العسكرية التركية. تلقّى مئات الضباط السودانيين تدريباً متقدماً في تركيا على استخدام الأنظمة العسكرية التركية، من الطائرات المسيّرة إلى منظومات الدفاع الجوي. هذا التدريب يخلق جيلاً من القادة العسكريين السودانيين المدينين بالفضل لتركيا، والمرتبعين بعقيدتها العسكرية، مما يضمن استمرار النفوذ التركي في المؤسسة العسكرية السودانية حتى بعد انتهاء الحرب.

تفوق جوي مؤقت: إطالة أمد الصراع

من المفارقات المأساوية أن التفوق الجوي الذي منحته الطائرات المسيّرة التركية للجيش السوداني لم يحسم الحرب، بل أطال أمدها. بدلاً من إجبار قوات الدعم السريع على الاستسلام، جعلت هذه الطائرات الصراع أكثر دموية واستعصاءً. قوات الدعم السريع، المحرومة من سلاح جوي مماثل، لجأت إلى تكتيكات حرب العصابات، والقتال في المناطق الحضرية، والاعتماد على الدعم من قوى إقليمية أخرى. النتيجة: حرب استنزاف طويلة الأمد لا تلوح في الأفق نهايتها.

سباق التسلح الإقليمي

دفع التدخل العسكري التركي في السودان قوى إقليمية أخرى إلى التدخل أيضاً، لتعويض اختلال التوازن العسكري. هذا أدى إلى سباق تسلح إقليمي، تدفقت فيه الأسلحة من دول متعددة إلى كلا طرفي الصراع. السودان تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، والشعب السوداني هو الذي يدفع الثمن من دماء أبنائه ومستقبله.

البعد الاقتصادي للتسليح

لا يمكن فصل الدعم العسكري التركي عن المصالح الاقتصادية. كل طائرة مسيّرة تُباع للجيش السوداني تمثل ملايين الدولارات تعود إلى خزينة شركات الأسلحة التركية، وعلى رأسها “بايكار” التي يديرها صهر أردوغان. الحرب السودانية أصبحت سوقاً مربحاً للصناعة العسكرية التركية، التي تبحث عن أسواق جديدة بعد نجاحها في أوكرانيا وليبيا وناغورنو كاراباخ. هذا يعني أن إطالة أمد الصراع يصب في مصلحة الاقتصاد العسكري التركي، حتى لو كان ذلك على حساب الشعب السوداني.
التدخل العسكري التركي في السودان لم يكن مجرد بيع أسلحة، بل كان انخراطاً كاملاً في الحرب الأهلية. الطائرات المسيّرة، منظومات الدفاع الجوي، التدريب العسكري، والخبراء الفنيون كلهم عناصر في استراتيجية تركية واضحة: ضمان انتصار الجيش السوداني الموالي لها، وتحويل السودان إلى دولة تابعة في المنطقة. لكن النتيجة كانت عكسية تماماً: حرب أطول، ضحايا أكثر، وبلاد ممزقة. في المقال القادم، سنتناول البعد السياسي والدبلوماسي لهذا التدخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى