تحقيقات
شمال كردفان: حروب تُخاض في العقول والولاءات قبل الجبهات
في قلب السودان، حيث تتقاطع طرق التجارة القديمة وتتشابك الولاءات القبلية، تدور رحى معركة تتجاوز حدود الاشتباك المسلح. شمال كردفان، بعاصمتها الأبيض، لم تعد مجرد جبهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة صراع متعدد الأوجه يُرسم فيه مستقبل السودان بأكمله.
الأرض التي تُقاتل من أجلها
تكتسب شمال كردفان أهميتها من موقعها الجغرافي الفريد؛ فهي حلقة الوصل بين العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور غرباً، وبين الجنوب السوداني وشماله. من يسيطر على الأبيض يسيطر عملياً على شريان الإمداد الحيوي الذي يربط أطراف البلاد. لهذا لم تكن المعارك حول مدينة الأبيض ومحيطها مجرد عمليات عسكرية تكتيكية، بل محاولة لفرض واقع جيوسياسي جديد.
سلاح الاقتصاد والحصار
المعركة في شمال كردفان تُخاض أيضاً بلغة الاقتصاد. قطع الطرق التجارية، السيطرة على أسواق الماشية والمحاصيل، ومنع وصول البضائع والوقود، كلها أدوات ضغط تُستخدم لإخضاع الحاضنة الشعبية. عندما يُحاصر المدنيون اقتصادياً، تتآكل ثقتهم في أي طرف يدّعي حمايتهم، ويصبح الولاء مسألة بقاء لا قناعة.
القبيلة كسلاح وكدرع
لا يمكن فهم ما يجري في شمال كردفان دون قراءة البعد القبلي. المنطقة تضم فسيفساء اجتماعية معقدة من قبائل كردفانية وعربية، ولكل منها حساباتها وتحالفاتها. الأطراف المتحاربة تدرك أن كسب ولاء هذه المكونات ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة عسكرية. فالحاضنة القبلية توفر المقاتلين والمعلومات واللوجستيات، وغيابها يعني العزلة في أرض واسعة قاسية.
حرب الروايات
في موازاة الرصاص، تدور حرب سردية شرسة. كل طرف يسعى لتقديم نفسه مدافعاً عن الأرض والعرض، بينما يُصوِّر خصمه غازياً ومدمراً. منصات التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي أصبحت جبهات موازية، تُصنع فيها الانتصارات المعنوية وتُكسر فيها الإرادة قبل أن تُطلق رصاصة واحدة. هذه الحرب النفسية تستهدف المدنيين بالدرجة الأولى، فهي تُحدد لمن ينحازون، ومن يصدّقون، ومن يخافون.
المدنيون.. الوقود الصامت للمعركة
وسط كل هذا، يقف الملايين من أبناء شمال كردفان في مهب الريح. نزوح قسري، انقطاع الخدمات الصحية والتعليمية، وجوع يتسلل بصمت. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة، بل هم الهدف الحقيقي لكل طرف: من يكسب تعاطفهم يكسب الشرعية، ومن يخسرهم يخسر الحرب مهما انتصر عسكرياً.
المعركة في شمال كردفان ستنتهي يوماً ما، لكن آثارها ستبقى لعقود. الدمار الاجتماعي، الشكوك بين المكونات، والذاكرة المثقلة بالدماء، كلها تحديات ستواجه أي تسوية مستقبلية. من يدرك أن المعركة ليست بالسلاح فقط، هو من سيملك مفاتيح السلام الحقيقي.
شمال كردفان لا تحتاج إلى منتصر عسكري، بل إلى مشروع وطني يُعيد لأهلها ثقتهم بأن السودان واحد، وأن الأرض التي تُقاتل اليوم لن تُقسّم غداً.




