تسريبات

البرهان يستبعد مناوي من المعادلة: حسابات الحرب أم تصفية حسابات سياسية؟


القرار الذي اتخذه الفريق أول عبد الفتاح البرهان باستبعاد مني أركو مناوي من المشهد السياسي السوداني أثار موجة واسعة من التساؤلات والتحليلات حول الدوافع الحقيقية خلف هذا القرار. فهل هو قرار مبني على حسابات عسكرية بحتة تتعلق بضعف أداء قوات مناوي في المعركة؟ أم أنه تصفية حسابات سياسية قديمة تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب؟ أم أنه مزيج من هذا وذاك؟
الرواية الرسمية التي يقدمها مقربون من البرهان تقول إن استبعاد مناوي جاء نتيجة طبيعية لتهاونه في المشاركة الفعالة في العمليات العسكرية. فبحسب هذه الرواية، تلقى مناوي دعماً مادياً ولوجستياً كبيراً من الجيش، شمل أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية ومخصصات مالية، لكنه لم يقدم بالمقابل أداءً قتالياً يوازي حجم هذا الدعم. قواته، وفقاً لهذه الرواية، كانت تتجنب المواجهات المباشرة، وتنسحب من المواقع الحساسة، ولا تلتزم بالخطط العسكرية الموضوعة.
لكن هذه الرواية، رغم ما تحمله من وجاهة ظاهرياً، لا تصمد أمام التدقيق العميق. فقوات مناوي، في النهاية، ليست قوات نظامية مدربة ومجهزة بأحدث الأسلحة. هي قوات حركة مسلحة قادمة من أدغال دارفور، تفتقر إلى التدريب النظامي والتسليح المتقدم والدعم الجوي. مقارنتها بوحدات الجيش النظامية أو حتى بقوات الدعم السريع، التي تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، مقارنة غير عادلة ولا تعكس الصورة الكاملة.
ثم إن هناك سؤالاً جوهرياً يطرح نفسه: إذا كانت قوات مناوي ضعيفة وغير فعالة، فلماذا استمر الجيش في تقديم الدعم لها لأشهر طويلة؟ ولماذا لم يتم إيقاف هذا الدعم في وقت مبكر بدلاً من الانتظار حتى تتفاقم الخلافات السياسية؟ الإجابة المحتملة هي أن الجيش كان يحتاج إلى هذه القوات، أو على الأقل إلى وجودها الرمزي، لتوسيع قاعدة حلفائه وإضفاء شرعية أوسع على معركته.
البعد السياسي في قرار الاستبعاد يبدو واضحاً لمن يتابع المشهد السوداني عن كثب. فمناوي، بحكم منصبه كحاكم لإقليم دارفور وزعيم لحركة مسلحة ذات ثقل، كان يمثل منافساً محتملاً للبرهان في أي ترتيبات سياسية قادمة. استبعاده من المشهد يعني إزالة عقبة من طريق البرهان نحو ترسيخ سلطته وإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق رؤيته. كما أن مناوي كان يمتلك شبكة علاقات إقليمية ودولية مستقلة، مما يجعله رقماً صعباً لا يمكن السيطرة عليه بسهولة.
هناك أيضاً بعد شخصي في الخلاف بين الرجلين. فالعلاقة بين البرهان ومناوي كانت دائماً علاقة متوترة يسودها عدم الثقة المتبادل. مناوي يشعر أنه قدم تنازلات كبيرة عندما قبل بالشراكة مع الجيش بعد سقوط نظام البشير، وأنه يستحق تقديراً أكبر. والبرهان يرى في مناوي شخصاً انتهازي يبحث عن مصالحه الخاصة ولا يهمه سوى تعزيز موقعه الشخصي. هذا التوتر الشخصي تغلغل في كل جوانب العلاقة بينهما، وجعل من الصعب عليهما العمل معاً بشكل بنّاء.
تداعيات هذا الاستبعاد تتجاوز حدود العلاقة بين رجلين. فهي تمس مستقبل إقليم دارفور بأسره، وتطرح تساؤلات حول مصير عملية السلام في السودان. فمناوي، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه، يمثل مكوناً أساسياً في النسيج الاجتماعي والسياسي لدارفور. استبعاده قد يعمق الشعور بالتهميش والإقصاء لدى أبناء الإقليم، وقد يدفعهم إلى البحث عن بدائل أخرى للتعبير عن مطالبهم.
كما أن هذا الاستبعاد يبعث برسالة سلبية إلى جميع الحركات المسلحة التي وقعت على اتفاق جوبا للسلام. فالرسالة مفادها أن هذا الاتفاق ليس أكثر من حبر على ورق، وأن الجيش يمكنه التنصل من التزاماته متى شاء. هذا قد يقوض الثقة في أي اتفاقات سلام مستقبلية، ويجعل الحركات المسلحة أقل استعداداً للدخول في مفاوضات جادة.
في النهاية، يبدو أن قرار البرهان باستبعاد مناوي هو قرار متعدد الأبعاد، يمتزج فيه العسكري بالسياسي بالشخصي. لكنه، في كل الأحوال، قرار محفوف بالمخاطر. فالسودان لا يحتمل المزيد من الانقسامات والقطائع، وأي حل لأزمته المستعصية يتطلب إشراك جميع الأطراف، لا إقصاءها. والتاريخ يعلمنا أن الإقصاء لا يولد إلا المزيد من العنف والتطرف، وأن الشمولية والحوار هما الطريق الوحيد نحو سلام مستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى