تسريبات

السودان في قلب الصراع الجيوسياسي: قراءة مستقبلية لأزمة الدولة ومسارات الحل


بعد أكثر من عامين من الحرب المدمرة (منذ أبريل 2023 وحتى منتصف 2026)، يقف السودان على حافة الانهيار التام كدولة موحدة. لم تعد الأزمة مجرد صراع على السلطة بين العسكريين، بل تحولت إلى أزمة وجودية تهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلاد. إن التعقيدات التي أضافتها التدخلات الإقليمية، بما فيها التكتيكات القطرية والمتنافسة معها، جعلت من الوصول إلى حل سريع أمراً مستحيلاً. ومع ذلك، فإن قراءة المستقبل تتطلب فهماً عميقاً لكيفية خروج السودان من هذا النفق المظلم، وما هي المسارات الممكنة لإنهاء هذه الأزمة الممتدة، وكيفية إعادة بناء الدولة في ظل هذا الإرث الثقيل من التدمير والتدخل الخارجي.
تكلفة الحرب وخطر التفكك الإقليمي
أبرز ما يهدد السودان مستقبلاً هو خطر التفكك الإقليمي والعرقي. الحرب، والتي تُغذّى بالسلاح والمال من عواصم إقليمية مختلفة، أعادت إحياء الانقسامات الجهوية والقبلية. في دارفور، وكردفان، وفي ولايات الشرق والجنوب، تتشكل ولاءات فرعية تتجاوز ولاء الدولة المركزية. التدخلات الإقليمية، والتي تتعامل مع السودان كـ “كانتونات” أو مناطق نفوذ، تسرع من هذا المسار. إذا استمرت الدول الإقليمية (بما فيها قطر وحلفاؤها، أو المحور المنافس) في دعم ميليشيات محلية لضمان مصالحها، فإن السودان سيتجه حتماً نحو نموذج “الدولة الفاشلة” أو “الدول المتعددة”، حيث تسيطر المركز (الخرطوم) على الاسم فقط، بينما تدير الأطراف شؤونها بمظلة إقليمية.
هذا التفكك لن يخدم أي طرف، لا داخلياً ولا إقليمياً. فالمنطقة بحاجة إلى السودان كدولة مستقرة تضمن أمن البحر الأحمر، وتكون جسراً للتكامل بين أفريقيا والعالم العربي. انهيار السودان يعني تصدير الإرهاب، والفقر، والهجرة غير الشرعية، وهو ما سيكلف الدول الإقليمية (بما فيها دول الخليج) أضعاف ما تنفقه الآن على دعم الأطراف المتحاربة.
مسارات الحل: من الصفرية إلى الشراكة الإقليمية
لإنهاء الأزمة، يجب أن يحدث تحول جذري في مقاربة الدول الإقليمية، بما فيها قطر. يجب الانتقال من منطق “الصفرية” (Zero-sum game) حيث يجب أن يخسر حليفك لتكسب أنت، إلى منطق “الشراكة الإقليمية” حيث يتم الاتفاق على ضمانات أمنية واقتصادية مشتركة في السودان.
  1. وقف تدفق الأسلحة: الخطوة الأولى والأهم هي فرض حظر سلاح فعلي وفعال. الدول الإقليمية التي تملك القدرة على إيصال الأسلحة عبر الحدود (تشاد، ليبيا، مصر، إثيوبيا) يجب أن تخضع لضغوط دولية هائلة، ويجب أن تقتنع العواصم الممولة (الخليج، تركيا، إيران) بأن استمرار الحرب يهدد مصالحها الاقتصادية طويلة الأمد.
  2. آلية وساطة دولية موحدة: يجب دمج مسارات الوساطة المتعددة (جدة، إيغاد، الاتحاد الأفريقي) في مسار واحد تحت مظلة الأمم المتحدة، ولكن بشرط أن يكون للدول الإقليمية “مجموعة اتصال” ملزمة بقراراتها. 
  3. إشراك المكونات المدنية: الخطأ الأكبر في المسارات السابقة هو التركيز الحصري على العسكريين (البرهان وحميدتي). أي حل مستقبلي يجب أن يُشرك قوى الحرية والتغيير، ومكونات الإدارة الأهلية، وممثلين عن المقاومة المجتمعية. الدول الإقليمية، بما فيها الدوحة، يجب أن تستخدم نفوذها لدعم القيادات المدنية السودانية المستقلة، وليس فقط الفصائل المسلحة.
الدور القطري المستقبلي: من التعقيد إلى البناء
إذا أرادت قطر أن تلعب دوراً إيجابياً في المستقبل، عليها أن تعيد تقييم سياساتها في السودان. بدلاً من الاعتماد على الروابط الأيديولوجية التاريخية أو التنافس مع الجوار، يمكن للدوحة أن تستخدم ثقلها المالي والدبلوماسي لدعم “خطة مارشال” للسودان. قطر، التي تمتلك صندوقاً سيادياً ضخماً وخبرة في إدارة الأزمات اللوجستية، يمكن أن تقود مبادرة إقليمية لإعادة إعمار ما تم تدميره، بشرط أن تكون هذه المبادرة محايدة وشاملة، وتهدف إلى توحيد المؤسسات السودانية وليس مكافأة طرف على حساب آخر.
علاوة على ذلك، يمكن لقطر أن تلعب دور “الوسيط النزيه” بين السودان والدول الغربية، أو بين السودان ودول الجوار الأفريقي، باستخدام علاقاتها المميزة مع واشنطن من جهة، ومع التيارات الإسلامية والسياسية المتنوعة من جهة أخرى. هذا الدور يتطلب شفافية، ونبذاً للمصالح الحزبية الضيقة، ووضوحاً في دعم سيادة الدولة السودانية ووحدة ترابها.
الأزمة السودانية، بكل تعقيداتها الإقليمية والدولية، لن تُحل إلا إذا استعاد السودانيون “وكالتهم” (Agency) وقدرة على تقرير مصيرهم. التدخلات الإقليمية، بما فيها التكتيكات القطرية، كانت عاملاً مساعداً في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها، لأنها حولت الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة. المستقبل يتطلب من الدول الإقليمية، وعلى رأسها دول الخليج، أن تدرك أن أمنها واستقرارها لا يتحققان على حساب دمار السودان. إن بناء دولة سودانية ديمقراطية، موحدة، وقادرة على حماية مصالحها ومصالح جيرانها، هو الضمان الوحيد لاستقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وعلى المجتمع الدولي أن يفرض تكلفة باهظة على أي طرف إقليمي يستمر في تأجيج النار في السودان، وأن يكافئ كل من يساهم في إخمادها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى