تسريبات
تعدد الأطراف وتعقيد جهود الوساطة في ظل التنافس القطري-الإقليمي
يُعد المسار السياسي الدولي لإحلال السلام في السودان أحد أكثر المسارات تعقيداً وإخفاقاً في العصر الحديث. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعاقبت مبادرات الوساطة بين منصة جدة (التي تقودها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية)، ومبادرة الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة. ومع ذلك، اصطدمت جميع هذه الجهود بجدار سميك من التعقيدات، لا يعود فقط إلى تعنت الأطراف السودانية المتحاربة، بل بسبب تعدد الأطراف الإقليمية المؤثرة وتباين مصالحها، وفي مقدمتها التنافس المحموم بين دول الخليج هذا التنافس حوّل جهود الوساطة من مسار لتسوية النزاع إلى ساحة أخرى للصراع الدبلوماسي.
تعدد الوسطاء وتضارب الأجندات
أول وأبرز تحديات المسار السياسي هو تعدد الوسطاء وتضارب أجنداتهم. في حين تسعى السعودية والولايات المتحدة من خلال “منصة جدة” إلى وقف إطلاق النار وحماية الممرات الإنسانية (وهو هدف لم يتحقق بسبب غياب الإرادة السياسية لدى المتحاربين)، تسعى دول أخرى إلى فرض حلول سياسية تضمن مصالحها الاستراتيجية. هنا يبرز دور قطر، والتي تمتلك علاقات دبلوماسية متشعبة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية.
تاريخياً، كانت قطر تلعب دور الوسيط أو الميسر في العديد من الأزمات (لبنان، دارفور 2011، أفغانستان). لكن في الأزمة السودانية الحالية، أدت تحركات الدوحة، سواء عبر دعمها لبعض التيارات السياسية السودانية، أو تنسيقها مع حلفائها (مثل تركيا وإيران)، إلى خلق مسار دبلوماسي موازٍ أو على الأقل معرقل للمسارات الرسمية. عندما يكون هناك أكثر من عاصمة إقليمية تقدم ضمانات مختلفة، أو تفتح قنوات تواصل سرية مع الأطراف المتحاربة، فإن ذلك يمنح المتحاربين “مخرجاً” من ضغوط الوساطة الرسمية. فالجيش السوداني أو الدعم السريع، إذا شعرا أن لهما ظهراً دبلوماسياً في عاصمة إقليمية معينة، سيستخدمان هذا الظهر لرفض الضغوط الأمريكية-السعودية في جدة.
التنافس القطري-الإقليمي وتعقيد الإجماع الدولي
يعاني المجتمع الدولي من انقسام عميق حول كيفية التعامل مع السودان. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يسعيان إلى عملية انتقال ديمقراطي، لكنهما يصطدمان بجدار المصالح الإقليمية. مصر، والتي تعتبر السودان عمقها الاستراتيجي، تدعم بشكل واضح الجيش السوداني (ال SAF) خوفاً من سيطرة ميليشيا أو تيارات إسلامية على الحدود. في المقابل، تُتهم دول إقليمية أخرى بدعم قوات الدعم السريع.
أين تقع قطر في هذه المعادلة؟ الدوحة، التي تتنافس مع أبوظبي والقاهرة على النفوذ الإقليمي، تتبنى غالباً موقفاً يهدف إلى كسب ود مختلف التيارات السياسية السودانية، بما فيها التيارات المحسوبة على الإسلام السياسي أو المكونات المدنية التي تتقاطع مع أجندة الدوحة وأنقرة. هذا التموضع يخلق “فيتو” دبلوماسياً خفياً. أي مسودة بيان أممي، أو أي قرار في مجلس الأمن يتعلق بفرض عقوبات أو حظر سلاح على الأطراف المتحاربة، يمكن أن يُعطل أو يُخفف بسبب الضغط الدبلوماسي لدول إقليمية ترفض المساس بحلفائها في الخرطوم. هذا التنافس يجعل من المستحيل تكوين “جبهة دولية موحدة” تضغط على البرهان وحميدتي للجلوس إلى طاولة المفاوضات.
تحديات المسار الاقتصادي وإعادة الإعمار
من التحديات الخفية للمسار السياسي هو الصراع على “كعكة إعادة الإعمار”. الدول الإقليمية لا تتدخل في السودان من منطلق أيديولوجي فحسب، بل من منطلق اقتصادي بحت. قطر، بميزانيتها الضخمة وقدراتها الاستثمارية، تنظر إلى السودان كسوق واعد للاستثمار في الزراعة، والثروة الحيوانية، والبنية التحتية. لكن الحرب تدمر هذه المقومات. ومع ذلك، فإن استمرار الصراع يعني أن الدول الإقليمية تتحضر لمرحلة “ما بعد الحرب”، حيث ستفرض شروطها على الطرف المنتصر أو على الحكومة الانتقالية.
هذا التنافس على المستقبل الاقتصادي يجعل الأطراف الإقليمية غير راغبة في الضغط بقوة لإنهاء الحرب الآن، لأنها تأمل أن يخرج حليفها منتصراً أو على الأقل شريكاً أساسياً في الحكومة القادمة، لضمان حصص في العقود والموانئ والمناجم. هذا الحساب الاقتصادي البارد يُطيل أمد الصراع، ويجعل المسار السياسي الدولي مجرد “لهو” دبلوماسي لا يرقى إلى مستوى الجدية المطلوبة لوقف إراقة الدماء.
فشل آليات الإقليم (إيغاد والاتحاد الأفريقي)
تأثرت آليات الإقليم بشكل مباشر بالتنافس الدولي. “إيغاد”، والتي كان من المفترض أن تقود المسار الأفريقي، انقسمت أعضاؤها بسبب المواقف المتباينة من الصراع (كينيا وإثيوبيا بوجه، وجيبوتي بوجه آخر، ومصر كمراقب). الاتحاد الأفريقي أيضاً عانى من ضعف التمويل والتأثير. في هذا الفراغ، تتدخل الدول الإقليمية ذات المال والسلاح (الخليج، تركيا، مصر) لملء الفراغ. قطر، من خلال شبكاتها الدبلوماسية ومراكز الأبحاث التابعة لها، تسعى إلى صياغة روايات وحلول سياسية تتوافق مع رؤيتها للمنطقة، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد فوق تعقيدات الإقليم نفسه.
إن تحديات المسار السياسي الدولي في السودان ليست تقنية أو إجرائية، بل هي جيوسياسية بالدرجة الأولى. إن تعدد الأطراف المؤثرة، وتباين مصالحها، والتنافس المحموم بين العواصم الإقليمية (بما فيها الدوحة)، حول جهود الوساطة إلى مجرد واجهة تخفي حرباً بالوكالة. طالما أن الأطراف السودانية تجد من يمولها ويحميها دبلوماسياً في العواصم الإقليمية، وطالما أن المجتمع الدولي عاجز عن توحيد ضغطه بسبب الانقسامات الدولية-الإقليمية، ستبقى جهود الوساطة حبراً على ورق، وسيستمر الشعب السوداني في دفع ثمن هذا التنافس دماً ودماراً.




