تسريبات
فشل الوساطات الإقليمية التركية، المصرية، السعودية، القطرية ومستقبل السيادة السودانية
منذ 4 ساعات
3 دقائق
منذ اندلاع الأزمة السودانية في أبريل 2023، تدافعت العواصم الإقليمية لتقديم مبادرات الوساطة ووقف إطلاق النار. فقد تنافست كل من مصر، تركيا، السعودية، وقطر في طرح المبادرات، واستضافة الوفود، وإطلاق التصريحات الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن المحصلة النهائية لهذه الجهود كانت “فشلاً ذريعاً” على الأرض. فبدلاً من أن تؤدي هذه الوساطات إلى حقن الدماء وحماية المدنيين، فإنها أطالت أمد الحرب، وعمقت من الانقسامات، ووفرت غطاءً دبلوماسياً للأطراف المتحاربة لمواصلة عملياتها العسكرية. إن تفكيك أسباب فشل هذه الوساطات الإقليمية يكشف عن عيوب هيكلية في طريقة تعاطي هذه الدول مع الملف السوداني، حيث غلبت المصالح الوطنية الضيقة لكل دولة على مصلحة الشعب السوداني، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل السيادة السودانية وكيفية استعادتها.
منصة جدة (السعودية-الولايات المتحدة): الشكلانية وتجاهل الجذور
تعتبر منصة جدة التي استضافتها السعودية أبرز محاولة إقليمية لحل الأزمة. ورغم أنها نجحت في جمع الأطراف المتحاربة على طاولة واحدة، إلا أنها فشلت في تحقيق أي اختراق حقيقي. السلبية في المقاربة السعودية (بالاشتراك مع واشنطن) تكمن في “الشكلانية” و”التركيز على الأعراض دون المرض”. فقد ركزت المفاوضات بشكل هوسي على “اتفاقيات وقف إطلاق النار” المؤقتة، والتي كان كلا الطرفين يعلم أنها ستُنكث، دون التطرق إلى القضايا الجوهرية مثل إصلاح قطاع الأمن، وتفكيك التمكين، ومستقبل القوات النظامية.
علاوة على ذلك، فإن السعودية تعاملت مع الأزمة من منظور “أمني بحت” يهدف إلى حماية مصالحها في البحر الأحمر، مما جعلها تتغاضى عن المطالب العادلة للشعب السوداني في التحول الديمقراطي. هذا النهج أعطى للأطراف المتحاربة شعوراً بأن المجتمع الدولي والإقليمي سيكتفي بإدانات شكلية، مما شجعها على التصعيد العسكري. كما أن احتكار السعودية للملف السوداني في جدة أدى إلى تهميش مبادرات أخرى، وخلق حالة من “الاحتكار الدبلوماسي” الذي لم يثمر عن أي نتائج ملموسة على الأرض.
المبادرات المصرية: الجمود الدبلوماسي والوصاية
أما فيما يتعلق بالمبادرات المصرية، فقد تميزت بـ “الجمود” و”الوصاية”. فقد حاولت القاهرة طرح رؤى لحل سياسي يضمن بقاء مؤسسات الدولة التقليدية، لكنها فشلت في استيعاب التعقيدات الداخلية. السلبية في الدور المصري تكمن في أنه كان يفتقر إلى “الشمولية”؛ فقد كانت القاهرة تتحفظ على إشراك قوى مدنية معينة أو تيارات سياسية تعتبرها معادية لمصالحها، مما جعل مبادراتها مرفوضة من قبل شريحة واسعة من السودانيين.
كما أن القاهرة، في سعيها للحفاظ على “هيبة الدولة” في السودان، تغاضت أحياناً عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها بعض الأطراف، مما أفقد الوساطة المصرية مصداقيتها لدى الضحايا والمدنيين. هذا النهج جعل الوساطة المصرية تبدو وكأنها “دعم سياسي” لطرف على حساب الآخر، بدلاً من أن تكون وساطة نزيهة تهدف إلى تحقيق السلام الشامل.
المناورات التركية والقطرية: توظيف الأزمة إعلامياً وسياسياً
في المقابل، لم تكن المبادرات التركية والقطرية بأفضل حالاً. فقد استخدمت أنقرة والدوحة الوساطة كـ “أداة للنفوذ” بدلاً من أن تكون وسيلة للسلام. تركيا، التي سعت إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية صاعدة، استخدمت الملف السوداني للترويج لصناعاتها العسكرية ولتعزيز نفوذها في أفريقيا. أما قطر، فقد استخدمت قنواتها الدبلوماسية والإعلامية لتلميع صورة أطراف معينة، ولتوجيه الرأي العام الدولي بما يخدم مصالحها.
هذا “التوظيف السياسي” للوساطة أدى إلى “تدويل الأزمة” وتعقيدها. فبدلاً من أن تتفق الدول الإقليمية على خارطة طريق موحدة، فإنها انشغرت في “حروب البيانات” والاتهامات المتبادلة حول من يعرقل السلام. هذا الانقسام أعطى للأطراف السودانية المتحاربة “ذريعة” لرفض أي مبادرة، حيث كان كل طرف يلوّح بأن المبادرة القادمة من العاصة المنافسة هي “مؤامرة” ضده. هذا الديناميكية أعاقت أي جهد دولي جاد، وجعلت السودان رهينة للصراعات البينية بين العواصم الإقليمية.
التكلفة البشرية والهيكلية لفشل الوساطات
إن فشل هذه الوساطات لم يكن مجرد إخفاق دبلوماسي، بل كانت له تكاليف كارثية على الأرض. فكل يوم من فشل المفاوضات، كان يعني المزيد من القتلى، والمشردين، وتدمير البنية التحتية. لقد أدى فشل هذه الجهود إلى “تفكك النسيج الاجتماعي” السوداني، حيث تعمقت الكراهية بين المكونات المختلفة، وأصبحت المصالحة الوطنية حلماً بعيد المنال.
علاوة على ذلك، فإن فشل الوساطات الإقليمية أدى إلى “انهيار الدولة” ككيان موحد. فقد أصبحت المناطق السودانية تخضع لسيطرة مليشيات وأطراف مسلحة، مدعومة من جهات خارجية، مما ينذر بـ “صوملة” السودان وتقسيمه بحكم الأمر الواقع. إن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى كارثة إنسانية وديموغرافية لا يمكن إصلاحها لعقود قادمة.
مستقبل السيادة السودانية: نحو مقاربة سودانية خالصة
في ضوء هذا الفشل الذريع، أصبح من الواضح أن الحل لا يمكن أن يأتي من الخارج. إن مستقبل السيادة السودانية يتطلب “تقليص footprint” (البصمة) للدول الإقليمية، والانتقال من مرحلة “الوساطة الخارجية” إلى مرحلة “التمكين الداخلي”. يجب على مصر، تركيا، السعودية، وقطر أن تدرك أن مصالحها الحقيقية في السودان لا تتحقق عبر دعم النخب العسكرية أو توظيف الأزمة، بل عبر دعم الشعب السوداني في بناء دولة ديمقراطية، مدنية، وعادلة.
يتطلب المستقبل تكوين “آلية سودانية خالصة” تقود عملية الانتقال، مدعومة من المجتمع الدولي بشكل غير مشروط، وبعيداً عن الإملاءات الإقليمية. كما يتطلب الأمر محاسبة المسؤولين عن تدمير البلاد، سواء كانوا أطرافاً محليين أو دوليين ساهموا في إطالة أمد الحرب. إن سيادة السودان لا يمكن أن تُسترد إلا عندما يقرر السودانيون مصيرهم بأنفسهم، دون وصاية من القاهرة، أو أنقرة، أو الرياض، أو الدوحة.
لقد أثبتت التجارب أن التدخل الإقليمي في السودان، سواء كان سياسياً، اقتصادياً، أو دبلوماسياً، كان دائماً عامل تدمير وتقسيم. إن فشل الوساطات التركية، المصرية، السعودية، والقطرية، يعكس عجز هذه الدول عن فهم التعقيدات السودانية، وتغليب مصالحها الضيقة على حقن الدماء. إن الطريق إلى السلام في السودان لا يمر عبر عواصم الجوار الإقليمي، بل يمر عبر اعتراف هذه الدول بحق الشعب السوداني في تقرير مصيره، ودعمه في بناء دولته المدنية الحديثة التي تحترم التنوع وتضمن العدالة للجميع.




