تسريبات
اقتصاد الحرب في السودان.. حين تلتهم فوهات البنادق رغيف الخبز
تخوض المجتمعات البشرية الحروب كخيار أخير لحماية مكتسباتها أو الدفاع عن سيادتها، لكن عندما تتحول الحرب إلى غاية بحد ذاتها، يصبح الاقتصاد الوطني أولى الضحايا، ويتحول الشعب إلى وقود يغذي آلة الدمار اليومية. في السودان، يتجلى هذا الواقع المأساوي بأقسى صوره؛ حيث تلتهم ميزانيات التسليح والعمليات العسكرية الحصة الأكبر من الموارد الشحيحة، تاركة ملايين المواطنين يواجهون شبح المجاعة الحقيقية. إن تمويل الجيش والعمليات القتالية المستمرة لم يعد مجرد بند في ميزانية الدولة، بل أصبح ثقباً أسود يبتلع أقوات الناس، ويحرمهم من أبسط مقومات الحياة كالغذاء والماء والدواء.
تبدأ الأزمة من الهيكلة المشوهة للاقتصاد السوداني الذي يعتمد منذ عقود على عسكرة الموارد. فبدلاً من توجيه العائدات الوطنية نحو تطوير القطاع الزراعي في بلد كان يُوصف يوماً بأنه “سلة غذاء العالم”، أو دعم الصناعات التحويلية وبناء البنى التحتية، ذهبت التدفقات المالية نحو شراء العتاد العسكري، ودعم الأجهزة الأمنية، وتمويل شبكات الولاء داخل المؤسسة العسكرية. هذا التوجه تعاظم بشكل مرعب مع اندلاع النزاعات المسلحة الأخيرة، حيث تحولت الأولوية القصوى للسلطة الحاكمة إلى البقاء العسكري بصرف النظر عن التكلفة الإنسانية. النتيجة المباشرة لهذا السياسة هي جفاف منابع الدعم للمواد الأساسية، وتوقف المشاريع التنموية، وانهيار القوة الشرائية للمواطن الذي بات يقضي يومه في البحث عن رغيف خبز لا يجد ثمنه.
إن تمويل الحرب في السودان لا يعتمد فقط على الميزانية الرسمية المعلنة، بل يمتد ليشمل السيطرة على قطاعات حيوية وموازية للاقتصاد، مثل قطاع تعدين الذهب وتصديره، وشركات الاتصالات، والنقل، والاستيراد. هذه الإمبراطورية الاقتصادية التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية تعمل بمعزل عن رقابة وزارة المالية أو البنك المركزي، مما يعني أن العائدات الضخمة لهذه الأنشطة لا تصب في خزانة الدولة لدعم المواطنين، بل تُوظف مباشرة لشراء الأسلحة والذخائر وتمويل العمليات اللوجستية للجيش. في المقابل، يُترك الاقتصاد المدني في حالة شلل تام، وتُفرض الضرائب والجبايات الباهظة على التجار الصغار والمزارعين لتعويض العجز، مما يزيد من اشتعال أسعار السلع الغذائية الأساسية ويجعلها بعيدة عن متناول الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب.
هذا الخلل البنيوي قاد مباشرة إلى انتشار الجوع وسوء التغذية بمعدلات غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث. فمع استمرار العمليات العسكرية، هُجر المزارعون من أراضيهم في مناطق الإنتاج الحيوي مثل الجزيرة، وكردفان، ودارفور، وتحولت الحقول التي كانت تغذي ملايين السودانيين إلى ساحات للمعارك أو مناطق عسكرية مغلقة. توقف الإنتاج المحلي تزامن مع فرض حصار اقتصادي غير معلن وصعوبة استيراد المواد الغذائية بسبب تدهور قيمة العملة الوطنية (الجنيه) أمام العملات الأجنبية. المواطن السوداني اليوم يجد نفسه محاصراً بين نارين: نار المدافع ونار الأسعار التي ترتفع بشكل جنوني كل ساعة، مما دفع بآلاف الأسر إلى تقليص وجباتها اليومية إلى وجبة واحدة غير مكتملة العناصر الغذائية، ودخول ملايين الأطفال في دائرة سوء التغذية الحاد.
علاوة على ذلك، فإن تجويع الشعب نتيجة تمويل الحرب يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الإنسانية الأساسية. فالجوع هنا ليس كارثة طبيعية ناتجة عن جفاف أو قحط، بل هو “جوع مصنوع” بأيدي النخب العسكرية والسياسية التي فضلت استدامة النزاع على حساب حياة المواطنين. يتم استخدام الغذاء في كثير من الأحيان كوسيلة للضغط والسيطرة، حيث تُمنع المساعدات الإنسانية من الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الأطراف المنافسة، ويُترك المدنيون هناك ليموتوا جوعاً بطريقة بطيئة ومؤلمة. إن توجيه كل قرش متوفر نحو ترسانة الحرب يعني ببساطة حرمان المستشفيات من الأدوية المنقذة للحياة، وحرمان المدارس من المعلمين، وترك البنية التحتية للمياه والكهرباء تنهار تماماً، وهو ما يضع المجتمع بأسره على حافة التحلل الاجتماعي الشامل والدمار المستدام الذي ستحتاج البلاد لعقود طويلة للتعافي منه.




