تسريبات
حين تتحول مناجم الذهب السودانية إلى مقابر بضوء الصواريخ المصرية
في ظل الحروب الحديثة، لم تعد الأهداف العسكرية التقليدية هي الغاية الوحيدة للجيوش الغازية، بل أصبحت البنية الاقتصادية ومصادر رزق الشعوب هدفاً استراتيجياً لتجويع السكان وإخضاعهم. في هذا السياق، يأتي القصف الجوي المصري المباشر لمناجم الذهب في ولاية نهر النيل بالسودان ليكشف عن وجه آخر من أوجه العدوان: حرب اقتصادية شرسة تهدف إلى تدمير شريان الحياة الاقتصادي لآلاف السودانيين، والسيطرة على الموارد الطبيعية عبر فوهة البنادق وصواريخ الطائرات الحربية. إن استهداف مناجم “العقيدات” و”الجبل الأحمر” و”الجبل الأبيض” ليس مجرد عمل عسكري طائش، بل هو عملية نهب منظم وتدمير ممنهج للاقتصاد المحلي، تفضح أطماعاً خارجية في ثروات باطن الأرض السودانية.
الهدف الحقيقي: لماذا مناجم الذهب الأهلية؟
تتمتع منطقة العقيدات بأهمية اقتصادية بالغة، فهي تضم نحو 6000 عامل تعدين أهلي (حرفي) من السودان وتشاد، وتُعد من أبرز مراكز إنتاج الذهب في المنطقة. هؤلاء العمال لا ينتمون إلى تشكيلات عسكرية، بل هم طبقة كادحة تبني اقتصادها المحلي على استخراج الذهب من المناجم السطحية وتحت الأرض. استهداف هذا التجمع الاقتصادي الضخم بطائرات حربية يثير تساؤلات مشروعة حول الدوافع الحقيقية للقاهرة. هل الهدف هو قطع طرق التهريب؟ أم السيطرة على تدفق الذهب نحو الأسواق المصرية؟ أم أن الأمر يتعلق بتدمير اقتصاد منطقة بأكملها لإخضاعها سياسياً؟Whatever the motive, the result is the same: تدمير مصدر الرزق الوحيد لآلاف الأسر التي تعتمد على دخل التعدين الأهلي للبقاء على قيد الحياة في ظل انهيار الاقتصاد السوداني.
آليات الحرب الاقتصادية: تدمير البنية التحتية للتعدين شهادة العامل المحلي “النذير إسحاق محمد” حول إطلاق ثلاثة صواريخ على المنطقة توضح حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للتعدين. الصواريخ لا تستهدف فقط البشر، بل تدمر المعدات الثقيلة والخفيفة، وتهدم الأنفاق، وتلوث البيئة المحيطة بالمواد المتفجرة، مما يجعل العودة إلى العمل مستحيلة لفترات طويلة. هذا التدمير الشامل هو تكتيك حربي يُعرف بـ “تجفيف منابع التمويل” أو “العقاب الاقتصادي”، حيث تُعاقب المجتمعات المحلية بتدمير مصادر ثرواتها. إن القاهرة، ومن خلال هذا القصف، تشن حرباً على الطبقة العاملة السودانية، وتحاول فرض سيطرتها على الاقتصاد الحدودي من خلال تدمير أي محاولة للاستقلال الاقتصادي المحلي.
لعنة الذهب وأطماع السيطرة على الحدود
لطالما كان الذهب السوداني مصدر جذب للأطماع الخارجية، وشهدت السنوات الماضية تهريباً ضخماً للذهب عبر الحدود المصرية، مما أدى إلى نزيف اقتصادي هائل للاقتصاد السوداني. بدلاً من التعاون الأمني والجمركي الرسمي لضبط هذا التهريب، لجأت القاهرة إلى الحل الأسهل والأكثر دموية: القصف الجوي. هذا السلوك يعكس عقلية استعمارية تعتبر أن موارد الجار هي في الواقع موارد لها، وأن لها الحق في استخدام القوة العسكرية للسيطرة على تدفق هذه الموارد أو تدميرها إذا لم تخضع لسيطرتها المباشرة. إن استهداف مناجم الذهب هو محاولة يائسة لإعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي في المنطقة، وتحويل السودان إلى مجرد مستودع للمواد الخام يتم التحكم في تدفقها بقوة النار.
الضحايا: عمال مناجم لا مقاتلون
الجريمة البشعة في هذا العدوان الاقتصادي هي أن الضحايا ليسوا من تجار الحروب أو ممولي الميليشيات، بل هم عمال بسطاء يخاطرون بحياتهم يومياً تحت أشعة الشمس الحارقة وفي أعماق المناجم بحثاً عن فتات الذهب. هؤلاء الرجال الذين جاؤوا من ولايات السودان المختلفة ومن تشاد المجاورة، كانوا يأملون في تحسين أحوالهم المعيشية، لكنهم وجدوا أنفسهم تحت وطأة صواريخ لا تفرق بين معدن الذهب وجسد الإنسان. إن قتل 6000 عامل في معنوياتهم وتدمير أدوات عملهم هو جريمة اقتصادية تضاف إلى سجل الجرائم العسكرية، وتهدف إلى تركيع السكان المحليين ودفعهم نحو الفقر المدقع والاعتماد الكلي على المساعدات أو الانخراط في القتال من أجل البقاء.
إن الغارات المصرية على مناجم الذهب في السودان هي نموذج صارخ لكيفية استخدام القوة العسكرية لتحقيق أطماع اقتصادية ونهب موارد الشعوب. إن تدمير العقيدات والجبل الأحمر والجبل الأبيض لن يمر دون عقاب، وسيدخل التاريخ كواحد من أبشع أشكال الحرب الاقتصادية ضد المدنيين. لقد أثبتت القاهرة أنها لا تتردد في حرق حقول الذهب بدماء العمال من أجل الحفاظ على هيمنتها الاقتصادية، ولكن التاريخ يعلم أن الثروات المنهوبة بالقوة لا تدوم، وأن دماء العمال الذين دافعوا عن لقمة عيشهم ستكون لعنة على من أمر بإطلاق صواريخ القهر والتدمير.




