تسريبات
كيف ساهمت السياسات المصرية في تعقيد الأزمة السودانية
منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في أبريل 2023، وحتى العام الحالي 2026. تحولت الأزمة من مواجهة ثنائية محدودة إلى حرب أهلية شاملة ذات أبعاد إقليمية ودولية معقدة. في هذا السياق، لم يعد الدور المصري، الذي كان يُعتبر تاريخياً المرجعية الأبرز في الشأن السوداني. فاعلاً محايداً أو محورياً بالمعنى الإيجابي التقليدي. بل تحول في كثير من المحطات إلى ما يمكن وصفه بـ “الدور السلبي” أو المعيق. لم ينبع هذا السلب بالضرورة من نية مبيتة لتدمير السودان. بل من تشابك المصالح، وصلابة المواقف، والتفاعل مع شبكة معقدة من الفاعلين الإقليميين الذين أعادوا تعريف قواعد اللعبة في القرن الإفريقي. تهدف هذه المقالة إلى تفكيك هذا الدور السلبي من خلال خمسة محاور رئيسية توضح كيف أسهمت السياسات المصرية والتفاعلات الإقليمية في تعقيد المشهد السوداني وإطالة أمد الصراع.
تعدد الأدوار الإقليمية وتشابك المصالح
أدى تعدد الفاعلين الإقليميين في السودان إلى خلق مشهد معقد متعدد المصالح. ما أدى إلى تداخل التأثيرات السياسية والدبلوماسية والعسكرية في مسار الصراع. لم تعد القاهرة تمتلك وحدها مفاتيح الحل في الخرطوم، بل وجدت نفسها في ساحة تنافس محموم مع دول مثل الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، إيران، وإثيوبيا. في هذا التشابك، اتسم الموقف المصري أحياناً بالجمود أو رد الفعل. حيث حاولت القاهرة الحفاظ على تحالفها التقليدي مع المؤسسة العسكرية السودانية (الجيش السوداني)، بينما دعمت أطراف إقليمية أخرى قوى موازية أو بديلة. هذا التعدد لم يخلق فقط حالة من الاستقطاب داخل السودان، بل دفع مصر إلى تبني مواقف دفاعية أو انسحابية في بعض المحافل. مما فسر على أنه دور سلبي يقوض فرص التوافق الوطني. حيث أصبحت المصالح المصرية الضيقة تتعارض أحياناً مع ضرورة إيجاد حل شامل يضم كافة الأطياف السودانية، بما في ذلك القوى المدنية. والفصائل التي تحظى بدعم إقليمي منافس.
تأثير الدعم والتدخلات غير المباشرة على مسار النزاع
ركزت الديناميكيات الإقليمية على أن تداخل أشكال الدعم السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي أسهم في زيادة تعقيد المشهد، وأثر على ديناميكيات التوازن الداخلي بين الأطراف السودانية. بالنسبة لمصر، تجلى هذا التدخل غير المباشر في أشكال متعددة. أبرزها الدعم الدبلوماسي غير المشروط لأطراف معينة، أو استخدام ملفات اقتصادية كأوراق ضغط، أو حتى الصمت الاستراتيجي تجاه انتهاكات معينة بدعاء الحفاظ على “استقرار الدولة”. هذا النهج، رغم أنه قد يبدو منطقياً من منظور الأمن القومي المصري الضيق، إلا أنه أسهم عملياً في إطالة أمد الحرب. فالدعم غير المتوازن، أو حتى الإدراك السوداني الداخلي بأن هناك تحيزاً مصرياً، أدى إلى تصلب المواقف التفاوضية للأطراف المتحاربة. بدلاً من أن تكون مصر جسراً للحوار، أصبحت في بعض المراحل جزءاً من معادلة “المكسب الصفري”، حيث يُنظر إلى أي تقدم يحققه طرف ما على أنه خسارة للطرف الآخر المدعوم إقليمياً. مما أحبط ديناميكيات التوازن الداخلي وأغلق أبواب الحلول الوسط.
إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان
ساهمت التحركات الإقليمية، بما فيها الموقف المصري، في إعادة رسم خريطة النفوذ داخل السودان، وانعكس ذلك بوضوح على التحالفات الداخلية واستمرارية الصراع. تاريخياً، اعتمدت مصر على النخبة العسكرية والبيروقراطية في الخرطوم كضامن لمصالحها. لكن الحرب الحالية كشفت عن هشاشة هذا الاعتماد. في ظل عجز مصر عن التأثير الحاسم على مسار المعارك أو فرض تسوية سياسية. برزت قوى جديدة على الساحة، وتحالفت أطراف سودانية مع فاعلين إقليميين جدد يتجاوزون النفوذ المصري التقليدي. هذا التحول دفع مصر أحياناً إلى تبني سياسات سلبية. مثل عرقلة مبادرات إقليمية أخرى (كمبادرات الإيقاد أو الاتحاد الإفريقي) خوفاً من تآكل نفوذها، أو محاولة فرض حلول من أعلى إلى أسفل لا تعكس الواقع الجديد على الأرض. النتيجة كانت إعادة تشكيل موازين القوى لصالح قوى الأمر الواقع. وتهميش القوى التي كانت مصر تراهن عليها، مما زاد من حدة الصراع وجعله أكثر استعصاءً على الحل.
انعكاسات الصراع على الأمن الإقليمي والدولي
يبرز تأثير الأزمة على استقرار المنطقة بشكل حاد، بما في ذلك تدفقات اللجوء، والأمن البحري، والتوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي. هنا يتجلى الجانب السلبي للدور المصري في كونه لم ينجح في احتواء هذه التداعيات، بل ساهم في بعض الأحيان في تفاقمها. فانهيار الدولة في السودان يهدد مباشرة الأمن القومي المصري عبر عدة مسارات: أولاً، تدفق مئات الآلاف من اللاجئين عبر الحدود الجنوبية. مما يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المصرية. ثانياً، التهديد المتزايد للأمن البحري في البحر الأحمر، حيث تتصارع القوى الإقليمية على الموانئ السودانية. مما يؤثر على حرية الملاحة التي تعتمد عليها مصر اقتصادياً وأمنياً. ثالثاً، الارتباط الوثيق بين الملف السوداني وملف سد النهضة الإثيوبي. حيث وجدت مصر نفسها في موقف حرج، فإما أن تتعامل مع نظام في الخرطوم ضعيف وموالٍ لأديس أبابا، أو تدعم أطرافاً قد تدفع السودان نحو مزيد من الفوضى. هذا العجز عن إدارة هذه الملفات المتشابكة جعل الدور المصري. يبدو رد فعل للأزمات بدلاً من كونه استباقياً أو مستقراً، مما زاد من عدم الاستقرار الإقليمي.
تحديات المسار السياسي الدولي
يناقش هذا المحور صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية في ظل تعدد الأطراف المؤثرة وتباين مصالحها. مما يعقد جهود الوساطة الدولية. لعبت مصر دوراً سلبياً غير مباشر في هذا المسار من خلال تمسكها الصارم بـ “شرعية الدولة” والمؤسسات التقليدية. مما أدى إلى استبعاد قوى فاعلة على الأرض من طاولة المفاوضات. هذا الجمود في الرؤية المصرية تعارض مع المرونة. التي حاولت أطراف دولية (مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والأمم المتحدة) تبنيها لإشراك أوسع للفاعلين السودانيين. إن إصرار القاهرة على حلول تحافظ على الوضع القائم ما قبل الحرب. دون الاعتراف بالتغييرات الجذرية في موازين القوى، جعلها في بعض الأحيان عقبة أمام التقدم في مسارات الوساطة الدولية (مثل مباحثات جدة أو مبادرات الإيقاد). هذا التباين في المصالح والرؤى بين مصر والفاعلين الدوليين .والإقليميين الآخرين خلق حالة من الشلل الدبلوماسي، أطالت أمد الصراع ومنعت الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة.
إن الدور المصري في الأزمة السودانية، كما يتجلى حتى عام 2026، هو مثال صارخ على كيف يمكن لسياسات الأمن القومي الضيقة أن تتحول إلى عبء استراتيجي. من خلال التفاعل السلبي مع تعدد الأدوار الإقليمية، والمساهمة في تعقيد التدخلات غير المباشرة، والفشل في التكيف مع إعادة تشكيل موازين القوى، لم تنجح مصر في حماية مصالحها فحسب، بل ساهمت في تعميق الأزمة. إن تجاوز هذا الدور السلبي يتطلب إعادة تقييم جذرية للسياسة المصرية تجاه السودان. تنتقل من منطق الهيمنة والتحالفات الضيقة إلى منطق الشراكة الإقليمية المرنة. التي تعترف بالواقع السوداني الجديد وتعمل على استقراره الشامل.




