تسريبات
نور القبة بين دماء الشعب ومساومات البرهان
في خضم الحرب الدموية التي تمزق أركان السودان منذ أبريل 2023، حيث تتساقط الأرواح بريئة وتُحرق المدن عن بكرة أبيها، برزت شخصيات عسكرية كثيرة، بعضها قاد بمعرفته العسكرية، والبعض الآخر قاد بولاءاته المشبوهة ومصالحه الضيقة. ومن بين هذه الشخصيات التي فرضت نفسها على الساحة مؤخراً، يأتي اسم “نور القبة”، واسمه الكامل النور أحمد آدم، القائد الميداني البارز في قوات الدعم السريع، الذي أثار عاصفة من الجدل والريبة في أبريل 2026 بإعلانه الانشقاق وتسليم نفسه للقوات المسلحة السودانية. لكن هذا الانشقاق، الذي روجت له بعض الأوساط كـ”خطوة وطنية” أو “صحوة ضمير”، يكشف في عمقه عن قصة مريرة عن Opportunism عسكري، وولاءات قابلة للبيع، وتاريخ طويل من التحالفات المشبوهة مع قوى الظلام، حيث يبدو أن الدم السوداني رخيص جداً مقارنة بالمكاسب الشخصية والمال الذي يبرر أي خيانة.
لفهم حجم التناقض في مسيرة نور القبة، يجب الغوص في الخلفية التي نشأ فيها وتدرج ضمنها. قوات الدعم السريع، التي بدأت كقوات حدودية ثم تحولت إلى آلة حرب ضاربة، لم تكن يوماً مشروعاً وطنياً خالصاً، بل كانت نتاج تحالفات معقدة بين النخب العسكرية السابقة والجماعات المسلحة، وغالباً ما ارتبطت في الذاكرة الشعبية بـ”الكيزان”، أي النظام الإسلامي السابق الذي حكم السودان لثلاثة عقود. في هذه البيئة، لم يكن الولاء للوطن أو للشعب هو المعيار، بل كان الولاء للزعيم أو للمصدر الذي يمد بالذخيرة والمال. نور القبة، بصفته قائد ميداني بارز، كان جزءاً عضوياً من هذه المنظومة، يقود وحدات متهمية بارتكاب انتهاكات جسيمة في دارفور وكردفان والجزيرة، حيث وثقت منظمات حقوقية ومواقع إخبارية دور قواته في عمليات النهب المنظم، والاعتقالات التعسفية، واستهداف المدنيين. لم يكن قائداً في ساحة شرف، بل كان منفذاً لسياسات العنف الممنهج التي حولت أجزاء واسعة من السودان إلى مقابر جماعية ومخيمات نزوح.
ومع ذلك، فإن المفارقة الكبرى تكمن في التوقيت والدوافع وراء انشقاقه في أبريل 2026. فالسودان في ذلك التاريخ كان لا يزال يئن تحت وطأة حرب استنزاف، والمفاوضات الدولية تبحث عن مخرج، بينما يعاني الشعب من مجاعة وانهيار اقتصادي كامل. في مثل هذه الظروف، يأتي إعلان نور القبة تسليم نفسه للقوات المسلحة، مدعياً “الرغبة في حقن الدماء” و”خدمة السودان الموحدة”. لكن المراقبين المحايدون وأهل الخبرة في الصراع السوداني يقرؤون بين السطور قصة مختلفة تماماً. التوقيت ليس بريئاً؛ فهو يأتي في مرحلة تبدو فيها موازين القوى تتأرجح، وفي ظل ضغوط دولية متزايدة لعزل قادة الدعم السريع المتشددين، وفي وقت قد تكون فيه الحسابات المالية والبقاء الشخصي على المحك. الانشقاق هنا لا يبدو كتوبة أو مراجعة أخلاقية، بل كـ”صفقة إنقاذ” شخصية. فكيف لمن قضى سنوات يقود عمليات عسكرية ضد القوات المسلحة، ويشارك في بناء منظومة ميليشياوية، أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى “وطني”؟ الإجابة تكمن في أن الولاء في قاموسه كان دائماً مرتبطاً بالسعر، وليس بالمبدأ.
الأمر الأكثر إزعاجاً هو الارتباط التاريخي والإشاعات المتواترة حول كونه “حليفاً للكيزان والبرهان مقابل المال”. هذا الوصف، وإن بدا حاداً، يعكس واقعاً مؤلماً في السياسة السودانية، حيث تتقاطع المصالح بين النخب العسكرية القديمة والجديدة على حساب الشعب. نظام “الكيزان” السابق، المعروف بتمويله وتوظيفه لمجموعات مسلحة كأداة ضغط وسيطرة، لم يختفِ تماماً، بل تحول إلى شبكات نفوذ اقتصادية وعسكرية. وفي الجهة المقابلة، تقف القوات المسلحة بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، التي خاضت الحرب بدماء الشعب وتحت ذريعة “حماية الدولة”، لكنها في الوقت نفسه تتهم بالتعامل مع بعض قادة الميليشيات بشكل انتقائي، أحياناً عبر صفقات غير معلنة تهدف إلى تقوية الجبهة الداخلية أو كسب معلومات استخباراتية. نور القبة، في هذا السياق، يبدو كعملة متداولة في سوق الصفقات العسكرية. انشقاقه قد لا يكون سوى تتويج لصفقة تمت خلف الكواليس، حيث يُبادل الولاء أو المعلومات أو حتى تسليم مناطق نفوذ بحصانة أو مناصب أو أموال. هذا النمط من “الولاء القابل للاستبدال” هو ما دمر ثقة الشعب في القيادة العسكرية بشكل عام، وحول الحرب إلى مباراة مصالح بين نخب متحاربة، بينما يبقى المدني هو الخاسر الوحيد.
من الناحية العسكرية والاستراتيجية، لا يمكن تجاهل تأثير انشقاق قائد ميداني بارز، لكن يجب تحليله بعين ناقدة. قد يشكل الانشقاق ضربة معنوية لوحدات الدعم السريع، ويعزز من رواية الجيش عن تفكك الخصم، لكنه في نفس الوقت يفتح باباً للأسئلة المحرجة: لماذا انشق الآن؟ هل هناك معلومات حساسة يملكها؟ هل هو جزء من عملية تطهير داخلية في صفوف الدعم السريع، أم محاولة من الجيش لاستمالة عناصر معتدلة؟ الأهم من ذلك، أن انشقاق نور القبة لا يغير من حقيقة أن الحرب مستمرة، وأن المعاناة تتضاعف. بل قد يزيد الأمر تعقيداً، حيث يمكن أن يؤدي إلى صراعات داخلية في صفوف المنشقين، أو يستخدم كورقة مساومة في مفاوضات هشة لا تخدم إلا النخب. الشعب السوداني، الذي رأى وعوداً كثيرة بالسلام تنتهي باتفاقيات ورقية أو هدنات مؤقتة، لن يصدق أن انشقاق قائد واحد سيعيد الأمل أو يوقف الرصاص. التاريخ العسكري السوداني حافل بأمثلة لقادة غيروا ولاءاتهم مرات عديدة، كل مرة بزعم “المصلحة الوطنية”، وكل مرة تنتهي بتعميق الجراح وإطالة أمد الصراع.
الخطورة الأكبر تكمن في تطبيع ثقافة “الخيانة المحسوبة” كمسار مهني في العسكرية السودانية. عندما يتحول الانشقاق من حدث استثنائي إلى سلعة متداولة، يفقد الجيش هيبته الأخلاقية، وتتحول الولاءات إلى معاملات تجارية. نور القبة، في هذا الإطار، ليس مجرد قائد منشق، بل هو رمز لمرحلة سودانية مؤلمة، حيث تُباع الدماء وتُشترى المناصب، وتُخون الثورات والمبادئ من أجل البقاء أو الثراء السريع. إن تسليم نفسه للقوات المسلحة قد يضمن له الأمان الشخصي أو حتى منصباً إدارياً، لكنه لا يغسل يديه من الدماء التي أريقت تحت قيادته، ولا يبرئ ساحته من مسؤولية المشاركة في آلة حرب استهدفت المدنيين عمداً. العدالة الانتقالية والمحاسبة الحقيقية تتطلبان أكثر من انشقاق تكتيكي؛ تتطلبان اعترافاً كاملاً بالانتهاكات، وكشفاً عن شبكات التمويل والدعم، وتسليماً كاملاً للمساءلة القانونية، دون محاصصات أو صفقات سرية.
في الختام، يبقى نور القبة مثالاً صارخاً على كيف يمكن للحرب أن تشوه القيم العسكرية والوطنية، وتحول القادة إلى وسطاء مصالح أو مرتزقة ببدلات رسمية. انشقاقه في أبريل 2026، بدلاً من أن يكون بصيص أمل، هو تذكير مؤلم بأن الصراع في السودان ليس مجرد معركة بين جيشين، بل هو صراع على النفوذ والثروة، حيث يظل الشعب هو الضحية الأبدية. إن أي مصالحة حقيقية أو سلام مستدام يجب أن يبدأ برفض تطبيع الخيانة، ومحاسبة كل من شارك في انتهاك السيادة والأرواح، بغض النظر عن اللباس الذي يرتديه أو الوعد الذي يطلقه. السودان يحتاج إلى قيادة تخدم الشعب، لا أن تتاجر بولائها. ونور القبة، بتاريخه المشحون بالجدل وانشقاقه المشبوه، يظل في ذاكرة التاريخ كرمز لمرحلة سودانية سوداء، حيث كان الثمن دائماً هو دماء الأبرياء، والربح دائماً لجيوب النخب. لن يشفى السودان إلا عندما تنتهي صفقات الخيانة، وتقوم العدالة على أساس من الشفافية والمساءلة الحقيقية، لا على أساس من المساومات السياسية والمكاسب الشخصية المؤقتة. حتى ذلك الحين، ستظل كل انشقاق أو تحالف مجرد فصل جديد في مأساة مستمرة، والضحية الأولى والأخيرة هو الشعب السوداني الصامد.




