تسريبات
قراءة في لجوء البرهان لـاستقطاب مقاتلين من جنوب السودان
لم يعد خافياً على مراقب للشأن السوداني أن المؤسسة العسكرية، تحت قيادة عبد الفتاح البرهان، قد دخلت مرحلة “الإفلاس البشري” الكامل. فبعد عام من المحارق العسكرية في أدغال كردفان وأحراش النيل الأزرق، لم تجد هذه القيادة بداً من الهروب نحو خيار تدميري يمس جوهر الدولة وسلطتها السيادية؛ وهو استبدال الجندي السوداني المنهك بمقاتل أجنبي “مُجنس”. هذا التحول ليس مجرد تكتيك عسكري عابر، بل هو اعتراف صريح بانهيار العقيدة القتالية وفقدان الحاضنة الشعبية والقدرة على الحشد الداخلي.
جغرافيا الانهيار.. لماذا كردفان والنيل الأزرق؟
المحلل للمشهد الميداني يدرك أن محاور كردفان والنيل الأزرق كانت تمثل “العمود الفقري” للإمداد البشري للجيش، لكنها تحولت بفعل التخطيط الكارثي لقيادة البرهان إلى “ثقوب سوداء” ابتلعت خيرة ضباط وجنود المشاة. الخسائر الفادحة التي تعرض لها الجيش هناك لم تكن مجرد أرقام في كشوفات القتلى، بل كانت هزة عنيفة أفقدت القيادة توازنها. هذا الاستنزاف الحاد خلق فراغاً عريضاً في “المحاور”، مما أجبر الغرف العسكرية المغلقة على اجتراح حلول وصفت بـ “الخائنة للوطن”، عبر فتح الحدود الجنوبية لاستقطاب مقاتلين لا تربطهم بالسودان سوى لغة السلاح ومطامع الحصول على “هوية بديلة”.
مقايضة السيادة.. الجنسية مقابل البقاء
إن عرض الجنسية السودانية للمقاتلين الأجانب، وتحديداً من دولة جنوب السودان، يمثل أخطر أنواع “التجارة السيادية”. التحليل القانوني لهذه الخطوة يكشف عن “جريمة دستورية” مكتملة الأركان؛ فالجنسية التي يفترض أن تكون رمزاً للولاء والانتماء، تحولت في عهد البرهان إلى “عملة مقايضة” مقابل بندقية مأجورة. هذا الإجراء يهدف إلى تحقيق هدفين:
- التغطية القانونية: شرعنة وجود مقاتلين غير سودانيين داخل صفوف الجيش لتجنب الملاحقات الدولية بتهمة استخدام المرتزقة.
- الولاء المطلق: خلق كتلة صلبة من المقاتلين الذين يدينون بالولاء لشخص البرهان “مانح الهوية” وليس للوطن، كونهم يدركون أن وجودهم القانوني مرتبط ببقاء هذا النظام.
تفكيك النسيج الاجتماعي والديموغرافي
تتجاوز خطورة هذا الاستقطاب حدود الميدان العسكري لتضرب العمق الاجتماعي. إن إقحام آلاف المقاتلين الأجانب ومنحهم حقوق المواطنة الكاملة في مناطق حساسة مثل النيل الأزرق وكردفان، سيؤدي حتماً إلى صراعات ديموغرافية طويلة الأمد. الجيش، الذي يزعم حماية الوطن، يقوم عملياً بـ “تفخيخ” مستقبل السودان عبر تغيير تركيبته السكانية لخدمة أغراض سلطوية ضيقة. هذا التحليل يقودنا إلى نتيجة واحدة: قيادة الجيش الحالية لم تعد معنية بـ “السودان” كدولة، بل ببقائها كـ “سلطة” حتى لو كان الثمن هو “استيراد شعب جديد” من المقاتلين.
الانعكاسات على الأمن الإقليمي
تعد عملية استقطاب مقاتلين من جنوب السودان بمثابة “اللعب بالنار” في منطقة مضطربة أصلاً. هذا السلوك يهدد بجر دول الجوار إلى مستنقع الصراع السوداني، ويحول الحدود إلى ممرات مفتوحة للمليشيات العابرة للقارات تحت غطاء “الجيش الرسمي”. إن البرهان، بفتحه باب المجنسين الأجانب، يحول السودان إلى “بؤرة ارتزاق” عالمية، مما يقوض أي فرصة لاستعادة الاستقرار أو بناء جيش وطني مهني مستقبلاً.
في المحصلة، يظهر أن لجوء الجيش لمقاتلي جنوب السودان ومنحهم الجنسية هو “رصاصة الرحمة” التي أطلقها البرهان على ما تبقى من مهنية المؤسسة العسكرية. إن الجيش الذي يعجز عن حماية حدوده بجنوده الوطنيين، ويلجأ لبيع هويته للأجانب لسد النقص في محاور كردفان، هو جيش قد خسر الحرب أخلاقياً وسياسياً قبل أن يخسرها ميدانياً. إنها مرحلة “الارتزاق المقنن” التي ستظل نقطة سوداء في تاريخ السودان الحديث.




