تشهد الساحة في السودان مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الحرب الداخلية مع كارثة إنسانية متفاقمة وضغوط إقليمية متزايدة، في ظل استمرار القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 دون حسم واضح.
يرى تحليل نشرته منصة “مودرن دبلوماسي” أن جوهر الأزمة لم يعد مرتبطًا فقط بموازين القوة العسكرية، بل بطبيعة التحالفات داخل المؤسسة العسكرية، خاصة العلاقة بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان والتيارات الإسلامية المرتبطة بالإخوان.
تحالف محفوف بالمخاطر
يصف التحليل العلاقة بين الجيش والإسلاميين بأنها “سيف ذو حدين”. فمن جهة، توفر هذه التيارات دعمًا بشريًا وأيديولوجيًا يعزز قدرة الجيش على القتال، ومن جهة أخرى، تضعف ثقة المجتمع الدولي في القيادة العسكرية، خصوصًا لدى القوى الغربية وبعض الدول الإقليمية.
كما يشير إلى أن التوافق الإقليمي الناشئ، المعروف بـ“الرباعية”، يدفع نحو استبعاد الإسلاميين من المشهدين العسكري والسياسي كشرط لأي تسوية مستدامة. ومع ذلك، يظل الجيش معتمدًا عليهم بشكل كبير، سواء عبر الكوادر أو الميليشيات المرتبطة بهم.
مأزق التوازن بين إيران والخليج
يجد البرهان نفسه في معادلة معقدة بين علاقته بإيران، التي توفر دعمًا عسكريًا مهمًا، وبين ضرورة الحفاظ على علاقاته مع دول الخليج التي تنظر بعين القلق إلى هذا التقارب.
فأي انفتاح على إيران قد يثير غضب الحلفاء الخليجيين والغربيين، بينما التخلي عنها قد يضعف موقف الجيش ميدانيًا ويثير غضب الإسلاميين. هذا التوازن الهش يجعل خيارات القيادة العسكرية محدودة ومكلفة سياسيًا وعسكريًا.
تراجع الصبر الدولي
يشير التحليل إلى أن صبر المجتمع الدولي بدأ ينفد، مع تصاعد الدعوات للحد من نفوذ الإسلاميين وتقليص الدور الإيراني في السودان. كما أن العقوبات التي استهدفت شخصيات إسلامية مرتبطة بالجيش تعكس تحولًا في الموقف الدولي، حيث لم تعد “المقايضة” السابقة—التسامح مع الإسلاميين مقابل التعامل مع الجيش—مقبولة.
سياسة الرسائل المزدوجة
يتهم التحليل البرهان باتباع سياسة مزدوجة، حيث يرسل إشارات للخارج توحي باستعداده للابتعاد عن الإسلاميين، من خلال اعتقالات وانتقادات محدودة، لكنها في نظر التقرير خطوات شكلية لا تمس جوهر التحالف.
وفي المقابل، يستمر الاعتماد على هذه التيارات في العمليات القتالية، خاصة مع تزايد إنهاك الجيش. ويؤكد التحليل أن استمرار الحرب يعزز نفوذ الإسلاميين بدلًا من تقليصه.
أزمة ثقة ومستقبل غامض
أدى هذا الواقع إلى تراجع الثقة الدولية في القيادة العسكرية، في ظل غياب مشروع سياسي واضح، والاعتماد المتزايد على شبكات غير رسمية. ويؤكد التقرير أن استمرار الحرب يضعف مؤسسات الدولة ويجعل إعادة بنائها أكثر تعقيدًا.
ويخلص التحليل إلى أن أزمة السودان ليست مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل هي أزمة عميقة في بنية السلطة داخل الجيش وعلاقته بالإسلاميين والإقليم. وبالتالي، فإن أي تسوية حقيقية تتطلب معالجة هذه البنية، وليس الاكتفاء باتفاقات وقف إطلاق النار.
وفي ختام التقرير، يُطرح سؤال جوهري يلاحق كل الجهود الدبلوماسية وصفقات السلاح: من يحكم فعليًا في السودان؟ إذ إن القوى التي تدعم استمرار الحرب هي نفسها التي تجعل القيادة الحالية شريكًا غير مقبول دوليًا، ما يبقي البلاد في دائرة من التعقيد والتوازنات غير المستقرة.




