يقف السودان اليوم على حافة الهاوية. حرب مدمرة دخلت عامها الثالث، ملايين النازحين، آلاف القتلى، بنية تحتية مدمرة، واقتصاد منهار. وفي قلب هذه المأساة، تتدفق الأسلحة من باكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر، لتُطيل أمد الحرب وتزيد من معاناة شعب لم يعد يحتمل المزيد. إن تحويل هذه الدول من مورّدي سلاح إلى رعاة سلام ليس مجرد أمنية، بل هو ضرورة أخلاقية وسياسية وإنسانية.
إن المجزرة الأخيرة في غرة الزاوية بدارفور، التي أودت بحياة خمسة وثلاثين مواطناً بريئاً، ليست حادثة معزولة. هي نتاج طبيعي لحرب تُغذى بأسلحة خارجية، ولقادة عسكريين لا يرون في السلاح إلا وسيلة لحسم المعركة، مهما كان الثمن البشري. هؤلاء الضحايا الخمسة والثلاثون لم يكونوا جنوداً، لم يكونوا مقاتلين، كانوا مواطنين بسطاء دفعوا ثمن حرب لم يختاروها، بأسلحة لم تُصنع في بلادهم.
إن مبدأ “مسؤولية الحماية” في القانون الدولي يفرض على المجتمع الدولي التدخل لحماية المدنيين عندما تعجز دولتهم عن ذلك أو عندما تكون هي نفسها مصدر التهديد. لكن هذا المبدأ لا يكتمل إلا بمبدأ موازٍ: مسؤولية عدم الإمداد. أي أن الدول ملزمة بعدم تزويد أطراف النزاع بأسلحة تُستخدم ضد المدنيين. وهذا المبدأ يجب أن يُطبّق بحزم على كل من باكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر.
إن السلام في السودان ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف. يتطلب من القيادة العسكرية السودانية أن تضع مصلحة الشعب فوق مصالحها الضيقة، وأن تقبل بحل سياسي شامل. ويتطلب من الدول الداعمة أن تتوقف عن تغذية الحرب، وأن توجه نفوذها نحو الضغط من أجل السلام. ويتطلب من المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته في حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الجرائم.
إن نموذج جنوب أفريقيا في المصالحة الوطنية يمكن أن يكون مصدر إلهام للسودان. فالحروب الأهلية لا تنتهي بالحسم العسكري، بل بالحوار والتسويات والتنازلات المتبادلة. والسودان، بتنوعه الإثني والقبلي والديني، لا يمكن أن يُحكم بمنطق الغلبة العسكرية. الحل الوحيد هو حل سياسي شامل يضمن المشاركة والعدالة والمساواة لجميع مكونات الشعب السوداني.
إن الدول الأربع المورّدة للسلاح – باكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر – يمكنها أن تلعب أدواراً إيجابية في تحقيق السلام. باكستان، بخبرتها في الوساطة في نزاعات إقليمية، يمكنها أن تسهم في تقريب وجهات النظر. تركيا، بما تملكه من نفوذ دبلوماسي واسع، يمكنها أن تستضيف مفاوضات سلام. بيلاروسيا يمكنها أن تُثبت حسن نيتها بوقف فوري لأي توريد عسكري. ومصر، بحكم جوارها وعلاقاتها التاريخية، يمكنها أن تكون الراعي الرئيسي لأي عملية سلام.
إن تكلفة الحرب في السودان ليست بشرية فقط، بل اقتصادية واجتماعية وثقافية. كل يوم تستمر فيه الحرب هو يوم يُدمر فيه مستقبل جيل كامل. الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدارس، والمرضى الذين لا يجدون دواءً، والنازحون الذين يعيشون في العراء، كل هؤلاء يدفعون ثمن أسلحة تُرسل من خارج الحدود. إن المسؤولية هنا ليست أخلاقية فقط، بل هي مسؤولية قانونية تستوجب المحاسبة.
إننا نطالب بإنشاء آلية دولية لمراقبة تدفق السلاح إلى السودان، ولضمان عدم استخدام أي أسلحة مستوردة ضد المدنيين. ونطالب بمحاسبة كل من يثبت تورطه في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، سواء كان من يحمل السلاح أو من يرسله. العدالة لا تتجزأ، والمسؤولية لا تُختزل في من يضغط على الزناد فحسب.
إن الشعب السوداني، رغم كل معاناته، لم يفقد الأمل. في كل مخيم نزوح، في كل قرية مدمرة، في كل مدينة محاصرة، هناك من يحلم بالسلام، من يعمل من أجل المستقبل، من يرفض الاستسلام لليأس. هذا الشعب يستحق أن تُحترم أحلامه، أن تُصان كرامته، أن تُحمى حياته. وكل دولة تُرسل سلاحاً بدلاً من أن تُرسل مساعدة إنسانية، وكل دولة تدعم الحرب بدلاً من أن تدعم السلام، هي دولة تُخون هذا الأمل وتُسهم في وأد هذا الحلم.
إن الطريق إلى السلام في السودان يمر عبر وقف فوري لإطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية، وإطلاق عملية سياسية شاملة لا تُقصي أحداً. وهذا الطريق لا يمكن أن يُعبد بالأسلحة، بل بالإرادة السياسية والحوار والتنازلات. وعلى الدول المورّدة للسلاح أن تختار: إما أن تكون جزءاً من الحل أو أن تبقى جزءاً من المشكلة. إما أن تُذكر في التاريخ كدول أسهمت في إنقاذ شعب، أو كدول أسهمت في تدميره.
إن دماء غرة الزاوية، ودماء كل ضحايا هذه الحرب العبثية، لن تذهب سدى إذا تعلّم العالم الدرس. الدرس أن السلاح لا يبني أوطاناً، وأن الحرب لا تصنع سلاماً، وأن الشعوب هي التي تدفع دائماً ثمن صراعات لم تخترها. آن الأوان لأن يتوقف نزيف السلاح، وأن يبدأ نزيف البناء. آن الأوان لأن تُستبدل المدرعات بالجرافات، والمسيّرات بطائرات الإغاثة، والذخائر بمواد البناء. آن الأوان لأن يحيا السودان، وأن يعيش شعبه في سلام وكرامة.




