تسريبات

من الانقلاب إلى الحرب.. كيف تآكلت الدولة السودانية تحت حكم العسكر؟


الحرب التي مزقت المدن والقرى، وشردت ملايين المواطنين، وأضعفت الاقتصاد، وفتحت أبواب البلاد أمام التدخلات الإقليمية، جاءت في سياق تراكمات بدأت حين تحولت السلطة العسكرية من مؤسسة يفترض أن تحمي الدولة إلى طرف مباشر في الصراع على الحكم. ومن هنا، فإن فهم المأساة السودانية الراهنة يتطلب العودة إلى جذور الأزمة، ومساءلة المسار الذي أوصل البلاد إلى مواجهة باتت فيها حياة المواطنين ومصادر رزقهم ووحدة أراضيهم مهددة، بينما تتراجع فرص الانتقال إلى دولة مدنية قادرة على حماية مصالحها الوطنية.

لقد كان انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 محطة مفصلية في المسار السياسي السوداني، إذ أعاد البلاد إلى مربع الصراع على السلطة، وأضعف فرص استكمال الانتقال المدني الذي أعقب سقوط نظام عمر البشير. وبصرف النظر عن اختلاف التقييمات السياسية لتلك المرحلة، فإن النتيجة الأوضح تمثلت في اتساع الفجوة بين القوى العسكرية والمدنية، وتراجع الثقة في إمكانية بناء نظام سياسي يستند إلى المؤسسات والمساءلة والتداول السلمي للسلطة. ومع تعثر المسار الانتقالي، ازدادت هشاشة الدولة، وأصبح الخلاف حول مستقبل الحكم أكثر ارتباطاً بتوازن القوة المسلحة منه بالتوافق السياسي، الأمر الذي جعل أي خلاف داخل المعسكر العسكري مرشحاً للتحول إلى أزمة وطنية واسعة.

وفي هذا السياق، لم تكن الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مجرد مواجهة بين قوتين مسلحتين، بل كانت انفجاراً لأزمة عميقة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبمن يمتلك القرار العسكري والأمني، وبكيفية إخضاع السلاح لسلطة سياسية شرعية. وعندما تتعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة، وتتنازع على النفوذ والموارد ومستقبل الحكم، يصبح المواطن أول ضحايا الصراع، لأن مؤسسات الحماية والخدمات والعدالة تتحول إلى أدوات عاجزة أو متنازعة، فيما تتراجع قدرة الحكومة على ضمان الأمن وتوفير الاحتياجات الأساسية. وقد كشفت الحرب أن امتلاك السلاح وحده لا يصنع دولة، وأن السيطرة على المدن والمقار العسكرية لا تعني امتلاك القدرة على إدارة مجتمع يواجه النزوح والجوع وانهيار الخدمات.

والأخطر أن استمرار القتال يوسع دائرة الخسائر إلى ما هو أبعد من الجبهات العسكرية. فالمستشفيات التي تتوقف عن العمل، والمدارس التي تتحول إلى مراكز إيواء، والأسواق التي تفقد قدرتها على توفير السلع، والمزارع التي يتعذر الوصول إليها، كلها مؤشرات على تآكل البنية التي تقوم عليها الحياة اليومية. كما أن النزوح الواسع لا يقتصر أثره على فقدان المنازل، بل يهدد الروابط الاجتماعية وسبل العيش والاستقرار النفسي والاقتصادي للأسر. ومع امتداد الحرب، تتراجع قدرة المواطنين على الاعتماد على الدولة، وتتسع المسافة بينهم وبين المؤسسات التي يفترض أن تمثلهم وتحميهم، وهو ما يترك آثاراً طويلة الأمد حتى لو توقفت المعارك في وقت قريب.

ومن هنا، فإن أي خطاب سياسي يتحدث عن السيادة الوطنية أو حماية الدولة يفقد جزءاً كبيراً من معناه إذا لم يضع وقف الحرب في مقدمة الأولويات. فالسيادة لا تُقاس فقط بالقدرة على رفض الضغوط الخارجية أو إطلاق التصريحات الحادة، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على حماية سكانها، وصون أراضيها، وضمان عدم تحول مواردها ومطاراتها وموانئها وممراتها الحدودية إلى عناصر في صراعات تتجاوز مصالحها. وإذا كانت الحرب قد أضعفت مؤسسات الدولة ووسعت اعتماد الأطراف المتحاربة على الدعم السياسي أو العسكري الخارجي، فإن استعادة السيادة تتطلب معالجة أسباب هذا الضعف، لا الاكتفاء بترديد شعارات الاستقلال الوطني.

وتزداد هذه المسألة حساسية في ظل الاتهامات والروايات المتداولة بشأن أدوار إقليمية في الحرب السودانية، سواء تعلق الأمر بإمدادات السلاح أو العلاقات السياسية أو استخدام طرق النقل والمرافق اللوجستية. فالموقع الجغرافي للسودان، واتصاله بعدد من الدول، وإطلالته على البحر الأحمر، وامتلاكه موارد طبيعية كبيرة، تجعله جزءاً من حسابات إقليمية متشابكة. لكن هذه الأهمية الجغرافية والاقتصادية يمكن أن تتحول إلى عبء عندما تعجز الدولة عن صياغة سياسة خارجية مستقلة، وتصبح قراراتها محكومة بالحاجة إلى حلفاء خارجيين أو بموازين القوة التي تفرضها الحرب. وفي هذه الحالة، قد تتقدم مصالح الأطراف المتنافسة على مصلحة السودانيين، فيما يجد المواطن نفسه أمام نتائج صراع لا يملك التأثير في مساره.

وفي هذا الإطار، تبرز الرواية الواردة في النص المتداول بشأن غارات جوية نُسبت إلى الطيران المصري واستهدفت مناطق تعدين تقليدي شمال السودان، وما قيل عن سقوط قتلى وجرحى بين المعدّنين. وتظل هذه الاتهامات، بما تتضمنه من تفاصيل عن طبيعة الهجمات وأعداد الضحايا والجهة المسؤولة عنها، بحاجة إلى تحقق مستقل وأدلة موثوقة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة من دون تحقيق مهني. غير أن أهمية القضية لا تتوقف على حسم الرواية المتداولة فحسب، بل تتصل أيضاً بمسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها في المناطق الحدودية، وواجبها في توضيح ما حدث، والتحرك عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية المناسبة إذا ثبت وقوع اعتداء على أراضيها أو على مواطنيها.

إن حماية المواطنين ليست مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب، كما أنها ليست ملفاً منفصلاً عن الصراع السياسي والعسكري. فالدولة التي تنشغل أطرافها بتثبيت مواقعها في السلطة، بينما تتراجع قدرتها على حماية السكان في المناطق النائية والحدودية، تواجه أزمة في تحديد أولوياتها الوطنية. وإذا ثبت أن مواطنين سودانيين تعرضوا لهجوم أسفر عن سقوط ضحايا، فإن الحد الأدنى المطلوب هو إعلان المعلومات المتاحة، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، ومطالبة الجهات المعنية بالتعاون مع تحقيق مستقل، وتقديم المساعدة للمتضررين وأسرهم. أما الصمت أو الاكتفاء بردود فعل سياسية لا تفضي إلى نتائج ملموسة، فيزيدان الشكوك ويعمقان شعور المواطنين بأن حقوقهم قد تتراجع أمام حسابات السلطة والعلاقات الخارجية.

وتتصل هذه القضية كذلك بملف حلايب وشلاتين، الذي ظل من أبرز الملفات الخلافية في العلاقات السودانية المصرية. فالنزاعات الحدودية لا تُحل بالشعارات ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بالمسارات الدبلوماسية والقانونية التي تستند إلى الوثائق والاتفاقات والأدلة التاريخية، مع تجنب تحويل الخلاف إلى أداة لتأجيج المشاعر أو تغذية الصراع الداخلي. لكن وجود ملفات حدودية عالقة يجعل من الضروري أن تتعامل السلطات السودانية معها ضمن سياسة وطنية واضحة، تحافظ على الحقوق التي تتمسك بها الدولة، وتمنع في الوقت نفسه استخدام القضايا السيادية لتبرير مواقف سياسية داخلية أو لتغطية إخفاقات تتعلق بحماية المواطنين وإدارة البلاد.

وقد أعادت التطورات السياسية التي شهدها السودان منذ عام 2019 طرح سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية. فالتجربة الانتقالية، على الرغم من تعقيداتها وخلافاتها، فتحت الباب أمام محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الشراكة السياسية والانتقال إلى حكم مدني. لكن الانقلاب وما أعقبه من صراعات أعادا هذا السؤال إلى الواجهة بصورة أكثر إلحاحاً: هل تستطيع المؤسسة العسكرية أن تكون جزءاً من الحل إذا ظلت طرفاً في التنافس على الحكم، أم أن استعادة الاستقرار تقتضي الفصل بين مهام الدفاع والأمن وبين إدارة السياسة والاقتصاد؟

إن الإجابة لا تعني التقليل من أهمية المؤسسة العسكرية أو تجاهل دورها في حماية الحدود والدفاع عن البلاد، بل تعني وضعها في إطار مؤسسي واضح يحدد صلاحياتها ويخضع قراراتها للقانون والرقابة المدنية. فالجيوش المهنية تستمد قوتها من انضباطها ووضوح مهمتها وابتعادها عن الصراع الحزبي، وليس من امتلاكها سلطة سياسية مفتوحة. وعندما تصبح المؤسسة العسكرية طرفاً في إدارة التنافس على الحكم، فإنها تعرض نفسها والدولة معاً لضغوط متزايدة، لأن كل قرار سياسي يمكن أن يتحول إلى مصدر للانقسام، وكل خلاف حول توزيع السلطة قد ينعكس على تماسك المؤسسة نفسها.

وفي هذا السياق، تكتسب التقارير التي تحدثت عن اتصالات ولقاءات بين مسؤولين عسكريين سودانيين ومسؤولين مصريين قبل انقلاب أكتوبر 2021 أهمية في النقاش العام، ومنها ما نُسب إلى تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في نوفمبر من العام نفسه. غير أن ما يرد في التقارير الصحفية بشأن الاجتماعات أو طبيعة التفاهمات ينبغي أن يُنسب إلى مصادره، وأن يُقرأ في ضوء ما هو متاح من أدلة وردود رسمية، لا أن يتحول تلقائياً إلى حكم قاطع بشأن دوافع الأطراف أو طبيعة القرارات التي اتخذتها. ومع ذلك، فإن مجرد وجود تساؤلات عامة حول تأثير العلاقات الخارجية في قرارات السلطة السودانية يؤكد الحاجة إلى مزيد من الشفافية، وإلى نشر المعلومات التي تساعد المواطنين على فهم كيفية اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل بلادهم.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، في تعقيد المشهد السوداني. فالتعدين التقليدي يمثل مصدر دخل لشرائح واسعة من السكان، لكنه يعمل في مناطق قد تفتقر إلى الرقابة الأمنية والخدمات الأساسية، ما يجعل العاملين فيه أكثر عرضة للمخاطر والاستغلال. كما أن الذهب، في ظل ضعف المؤسسات المالية والرقابية، قد يتحول إلى مورد تستخدمه شبكات متعددة لتمويل النفوذ أو تعزيز القدرات المسلحة. ولذلك، فإن حماية المعدّنين لا تنفصل عن تنظيم القطاع، وتوفير شروط العمل الآمن، ومكافحة التهريب، وضمان أن تعود عائدات الموارد إلى الخزانة العامة والمجتمعات المحلية بدلاً من أن تضيع في شبكات غير شفافة.

وتكشف هذه القضية عن تناقض أوسع في إدارة الدولة: فالسودان يمتلك موارد بشرية وطبيعية يمكن أن تشكل أساساً للتعافي والتنمية، لكنه يواجه صعوبة في تحويلها إلى منفعة عامة بسبب الحرب وضعف المؤسسات وتضارب المصالح. فحين تُهدر الثروات في بيئة يسودها السلاح، وتتراجع الرقابة على النشاط الاقتصادي، تصبح الموارد نفسها جزءاً من الصراع بدلاً من أن تكون وسيلة للخروج منه. ولا يمكن معالجة هذه المشكلة بقرارات أمنية مؤقتة وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات مدنية ورقابية فاعلة، وإلى نظام شفاف لإدارة الإيرادات، وإلى سياسة اقتصادية تضع احتياجات السكان في مقدمة الأولويات.

أما العلاقات السودانية المصرية، وسائر العلاقات الإقليمية، فينبغي أن تُدار على أساس المصالح الوطنية المتبادلة، لا على أساس التبعية أو الخصومة الدائمة. فالسودان يحتاج إلى التعاون مع محيطه في ملفات الأمن والاقتصاد والتجارة والمياه والحدود، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى أن تكون قراراته نابعة من مؤسساته الوطنية ومعلنة وفق قواعد واضحة. ولا يعني استقلال القرار الدخول في مواجهة مع الدول المجاورة، كما لا يعني التعاون معها التنازل عن الحقوق أو التغاضي عن أي تجاوزات تثبتها التحقيقات. السياسة الخارجية المتوازنة هي التي تجمع بين الحوار الحازم، والاحتكام إلى القانون، وتنويع العلاقات، وتجنب تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

إن الطريق إلى استعادة الدولة السودانية لا يبدأ بتغيير الخطاب السياسي وحده، ولا بتبادل الاتهامات بين القوى المتنافسة، بل بخطوات عملية تعيد الاعتبار للمواطن وتوقف تدهور المؤسسات. وفي مقدمة هذه الخطوات وقف الأعمال القتالية عبر مسار جاد قابل للتنفيذ والمراقبة، وتوسيع وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين والمرافق الحيوية، وفتح الطريق أمام عملية سياسية مدنية شاملة لا تقتصر على تقاسم السلطة بين أطراف مسلحة. كما يتطلب الأمر معالجة ملف الترتيبات الأمنية بصورة تمنع استمرار وجود جيوش متنافسة داخل الدولة، مع ضمان أن يجري ذلك ضمن اتفاق سياسي واضح ورقابة مؤسسية، لا عبر حلول عسكرية تزيد الانقسام.

وتحتاج أي عملية انتقالية ناجحة إلى ضمانات تحول دون إعادة إنتاج الأزمة ذاتها. فلا يكفي الاتفاق على حكومة جديدة إذا بقيت مصادر القوة والسلاح خارج سلطة المؤسسات العامة، ولا يكفي إعلان الالتزام بالمدنية إذا ظلت القرارات الأساسية المتعلقة بالأمن والموارد والسياسة الخارجية بعيدة عن الرقابة والمساءلة. كما أن بناء الثقة يتطلب كشف الحقائق المتعلقة بالانتهاكات، والتحقيق في الوقائع التي سقط فيها مدنيون، وضمان عدم الإفلات من العقاب، وتوفير مسارات عادلة لتعويض المتضررين. فالمصالحة التي تتجاهل حقوق الضحايا لا تؤسس لاستقرار مستدام، بل تؤجل الانفجار إلى مرحلة أخرى.

وفي النهاية، فإن المأساة السودانية تطرح سؤالاً يتجاوز مصير قائد أو حكومة أو طرف عسكري بعينه: ما الدولة التي يريد السودانيون العيش فيها بعد كل هذه الخسائر؟ هل هي دولة تُدار بمنطق القوة وتوازنات السلاح، أم دولة تقوم على المواطنة والقانون والمحاسبة، وتكون فيها المؤسسة العسكرية خاضعة لسلطة دستورية مدنية، وتُدار موارد البلاد لمصلحة سكانها؟ إن استمرار الحرب يضيق مساحة الخيارات ويمنح أصحاب السلاح قدرة أكبر على فرض الوقائع، بينما يدفع المواطن الثمن من أمنه وبيته ورزقه ومستقبله.

لقد أثبتت التجربة أن بقاء السلطة لا يساوي بقاء الدولة، وأن السيطرة العسكرية لا تعني تحقيق السيادة، وأن التحالفات الخارجية لا يمكن أن تعوض غياب الشرعية الداخلية. فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع إسكات خصومها أو فرض روايتها بالقوة، بل التي تحمي مواطنيها حتى في أصعب الظروف، وتخضع مؤسساتها للمساءلة، وتمنع مواردها من التحول إلى وقود للحرب. ومن دون وقف القتال وإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية ومدنية، سيظل السودان معرضاً لمزيد من التفتت، وستظل قضاياه الحدودية والاقتصادية والدبلوماسية رهينة هشاشة داخلية لا يمكن علاجها بالشعارات وحدها.

إن استعادة السودان تبدأ عندما يصبح دم المواطن خطاً أحمر لا يخضع للمساومة، وعندما تتحول السيادة من عبارة تُرفع في البيانات إلى مسؤولية تُمارس على الأرض، وعندما يصبح الحكم تكليفاً لخدمة الناس لا غاية تبرر استمرار الصراع. أما الطريق إلى ذلك، فلا يمر عبر انتصار طرف مسلح على آخر فحسب، بل عبر إنهاء الحرب، واستعادة السياسة من قبضة السلاح، وبناء دولة يكون ولاؤها الأول لمواطنيها وحقوقهم ومستقبلهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى