تسريبات
مناوي يتهم البرهان والجيش بالتنازل عن قضية دارفور
في تصريح يحمل دلالات عميقة، اتهم مني أركو مناوي عبد الفتاح البرهان والقيادة العسكرية بالتنازل عن قضية دارفور في مسارات الحل المقترحة لمعالجة الأزمة السودانية. هذا الاتهام ليس مجرد مناكفة سياسية، بل هو تعبير عن قلق حقيقي يتنامى في أوساط أهل دارفور بأن قضيتهم تُستخدم كورقة تفاوضية وتُباع في سوق الصفقات السياسية.
مناوي، الذي حمل السلاح لعقود من أجل دارفور، يرى أن كل ما تحقق من مكاسب لأهل الإقليم بات مهدداً بالضياع في ظل تعاطي البرهان مع الأزمة. فالبرهان، بحسب مناوي، مستعد لتقديم أي تنازل في ملف دارفور مقابل الحفاظ على سلطته وموقعه في أي تسوية سياسية مقبلة.
مسارات الحل المقترحة: أين دارفور؟
مسارات الحل التي تُطرح لمعالجة الأزمة السودانية، سواء تلك التي ترعاها الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو الإيغاد أو المبادرات الثنائية، تتعامل مع دارفور كجزء من أزمة سودانية عامة. وهذا التعامل، بحسب مناوي، يُفرغ قضية دارفور من خصوصيتها ويذوب مطالبها المحددة في عمومية لا تخدم أحداً.
قضية دارفور ليست مجرد نزاع مسلح يمكن حله بوقف إطلاق النار وتوزيع بعض المناصب. إنها قضية إبادة جماعية وتهجير قسري وتغيير ديموغرافي وتهميش منهجي استمر لعقود. حل هذه القضية يتطلب عدالة انتقالية حقيقية، وتعويضات للضحايا، وعودة النازحين واللاجئين إلى قراهم، ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم.
مناوي يتهم البرهان بأنه في مفاوضاته مع مختلف الأطراف، يقبل بصياغات عامة لا تُلزم أحداً بشيء محدد تجاه دارفور. يقبل بالحديث عن “حلول شاملة” و”عدالة انتقالية” كمفاهيم مجردة دون آليات تنفيذ واضحة. وهذا في جوهره تنازل عن جوهر القضية.
الجيش وقضية دارفور: تاريخ من التواطؤ
اتهام مناوي لا يقتصر على البرهان شخصياً، بل يشمل المؤسسة العسكرية ككل. فالجيش السوداني، بحسب مناوي، هو الذي صنع أزمة دارفور وهو الذي أدارها لعقود. الجيش هو الذي سلّح المليشيات، وهو الذي قصف القرى، وهو الذي حمى مرتكبي الجرائم من المساءلة.
البرهان، كقائد لهذا الجيش، لا يمكن أن يكون حكماً عادلاً في قضية دارفور وهو جزء من المنظومة التي ارتكبت الجرائم. هذا التناقض الجوهري يجعل أي حل يُطرح تحت رعاية البرهان حلاً مشكوكاً في نزاهته وعدالته.
مناوي يرى أن الجيش يتعامل مع دارفور كملف أمني لا كقضية سياسية واجتماعية تتطلب حلاً جذرياً. الجيش يريد تهدئة الأوضاع في دارفور بأقل تكلفة ممكنة، دون الاعتراف بالمظالم التاريخية ودون تقديم تنازلات حقيقية لأهل الإقليم.
التنازلات المحددة التي يتحدث عنها مناوي
مناوي يشير إلى عدة تنازلات محددة يرى أن البرهان والجيش يقدمونها في مسارات الحل. أولاً: القبول بتأجيل ملف العدالة والمساءلة إلى أجل غير مسمى تحت ذريعة “أولوية وقف الحرب”. ثانياً: عدم الإصرار على عودة النازحين واللاجئين كشرط مسبق لأي تسوية. ثالثاً: القبول بتقاسم السلطة في دارفور مع أطراف لا تمثل أهل الإقليم فعلياً. رابعاً: التنازل عن مطلب الحكم الذاتي أو الفيدرالية الحقيقية لصالح صيغ إدارية شكلية. خامساً: عدم تضمين تعويضات فردية وجماعية واضحة في أي اتفاق.
هذه التنازلات، بحسب مناوي، تُفرغ نضال أهل دارفور من مضمونه وتحوّل تضحياتهم إلى مجرد أرقام في تقارير دولية.
ردود الفعل على اتهامات مناوي
اتهامات مناوي أثارت ردود فعل متباينة. أنصاره في دارفور اعتبروها تعبيراً صادقاً عن مخاوف حقيقية من ضياع حقوق الإقليم. وطالبوا بأن تكون قضية دارفور محوراً مستقلاً في أي مفاوضات، لا بنداً فرعياً في أزمة سودانية عامة.
في المقابل، اعتبر أنصار البرهان أن مناوي يستخدم قضية دارفور كورقة ضغط سياسي لتحسين موقعه التفاوضي. واتهموه بتعطيل مسارات الحل لمصالح شخصية وفئوية.
المجتمع الدولي انقسم بين من يرى في اتهامات مناوي مبالغة سياسية، ومن يرى أنها تعكس إشكالية حقيقية في طريقة التعاطي مع أزمة دارفور ضمن الأزمة السودانية الأوسع.
مستقبل قضية دارفور في ظل هذا الصراع
الصراع بين مناوي والبرهان ينعكس سلباً على قضية دارفور. فبدلاً من أن يتحد أهل دارفور خلف مطالبهم المشروعة، يجدون أنفسهم منقسمين بين ولاءات متضاربة. وبدلاً من أن تتركز الجهود على حل الأزمة الإنسانية المتفاقمة، تُستنزف في صراعات سياسية بين النخب.
دارفور اليوم تعيش أسوأ أوضاعها منذ بداية الأزمة. الملايين نازحون، والمجاعة تهدد مئات الآلاف، والبنية التحتية مدمرة. في ظل هذا الواقع، يصبح أي صراع سياسي بين القيادات ترفاً لا يملكه شعب دارفور.
مناوي والبرهان، بصراعهما، يتحملان مسؤولية أخلاقية وسياسية عن معاناة أهل دارفور. فالأول بسحب قواته ترك فراغاً أمنياً، والثاني باستبعاده لمناوي أضعف أي جبهة موحدة يمكن أن تحمي الإقليم.
المخرج الوحيد يكمن في إعادة قضية دارفور إلى مركز أي حل سياسي، وليس كملحق أو بند فرعي. هذا يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً على البرهان للالتزام بحقوق أهل دارفور، وتوحيداً لمواقف الحركات الدارفورية حول حد أدنى من المطالب غير القابلة للتنازل.
لكن في ظل الوضع الراهن، حيث الأولوية لوقف الحرب في كل السودان، يبدو أن قضية دارفور ستبقى مؤجلة ومهمشة. وهذا تحديداً ما يحذر منه مناوي، وهو تحذير يجب أن يُؤخذ بجدية قبل فوات الأوان.




