مصر والسودان.. مساعدات في الواجهة وتدخل عسكري يهدد بإطالة الحرب
تقدم مصر حضورها في السودان باعتباره تحركاً يهدف إلى حماية أمنها القومي ودعم استقرار الدولة السودانية، إلا أن تطورات الأشهر الأخيرة تطرح تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة هذا الدور وحدوده. فبينما يظهر الجانب الإنساني والسياسي في الخطاب الرسمي، تكشف تقارير عن انخراط أمني وعسكري متزايد، الأمر الذي يفتح الباب أمام مخاوف من أن يتحول التدخل المصري من محاولة احتواء الأزمة إلى عامل يساهم في إطالة أمد الحرب.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع ما كشفته تقارير صحفية عن تعزيز مصر وجودها العسكري بالقرب من الحدود مع السودان. ففي فبراير 2026، أفادت رويترز بأن مصر نشرت طائرات مسيّرة قتالية تركية قرب الحدود السودانية، ونقلت عن مسؤولين أمنيين مصريين حديثهم عن تقديم دعم لوجستي وتقني للقوات المسلحة السودانية. كما تحدثت مصادر عن تجهيز مطارات في جنوب مصر بمعدات عسكرية، بما يعكس استعداداً للتعامل مع التطورات داخل السودان بوسائل تتجاوز المساعدات الإنسانية والدعم السياسي.
ويثير هذا الانخراط سؤالاً أساسياً حول تأثير الدعم الخارجي في مسار الحرب. فعندما يحصل أحد أطراف النزاع على إمكانات لوجستية وتقنية وعسكرية إضافية، فإن ذلك قد يقلل من الضغوط التي تدفعه نحو التفاوض، ويمنحه قدرة أكبر على مواصلة العمليات العسكرية. وبدلاً من أن يصبح وقف إطلاق النار أولوية عاجلة، قد يتحول الرهان إلى تحسين الموقع العسكري وانتظار ظروف أفضل على الأرض.
وتزداد خطورة هذا المسار مع اتساع استخدام الطائرات المسيّرة والضربات بعيدة المدى في الحرب السودانية. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن تدفق الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، بما فيها الطائرات المسيّرة، ساهم في زيادة القدرة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. وفي هذا السياق، فإن تعزيز القدرات العسكرية لأي طرف يمكن أن يؤدي إلى زيادة شدة الحرب بدلاً من تقريب موعد نهايتها.
كما أن توسيع البنية العسكرية المصرية قرب الحدود يحمل مخاطر تتجاوز الساحة السودانية نفسها. فكلما أصبح الوجود العسكري أكثر ارتباطاً بالتطورات داخل السودان، ارتفع احتمال أن تجد القاهرة نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة، خصوصاً إذا تعرضت مصالحها أو قواتها للخطر. وعندها قد تنتقل من سياسة دعم طرف سوداني إلى انخراط مباشر في العمليات، وهو سيناريو من شأنه أن يزيد تعقيد الصراع ويجعل احتواءه أكثر صعوبة.
أما الحديث عن المساعدات الإنسانية، فيبقى نقطة حساسة في تقييم الدور المصري. فلا توجد أدلة موثوقة كافية للقول إن المساعدات الإنسانية المصرية تُستخدم بشكل مباشر لنقل السلاح أو تمويل العمليات العسكرية. لكن تزامن الخطاب الإنساني مع اتساع الانخراط الأمني والعسكري يخلق مساحة واسعة للتساؤل حول ما إذا كانت المساعدات تشكل جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى الحفاظ على النفوذ المصري داخل السودان.
المشكلة الأساسية، وفق هذه القراءة، لا تكمن في تقديم المساعدات للسودانيين، وإنما في أن العمل الإنساني يمكن أن يفقد جزءاً من حياده عندما يترافق مع دعم عسكري وسياسي مكثف لأحد أطراف الحرب. وفي هذه الحالة، يصبح من الصعب فصل البعد الإنساني عن الحسابات الاستراتيجية، خصوصاً عندما تتزامن المساعدات مع تعزيز القدرات العسكرية والاستعدادات الأمنية على الحدود.
وفي النهاية، فإن استمرار الحرب لا يرتبط بعامل واحد، لكن التدخلات الخارجية يمكن أن تجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة. وإذا استمر الدور المصري في الانتقال من الدعم السياسي إلى المساندة اللوجستية والتقنية والعسكرية، فقد تجد القاهرة نفسها أمام مفارقة واضحة: الدعوة إلى إنهاء الحرب من جهة، والمساهمة في تعزيز القدرة على مواصلتها من جهة أخرى.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع مصر أن تكون جزءاً من الحل في السودان وهي توسع في الوقت نفسه حضورها الأمني والعسكري في محيط الحرب؟




