زوايا

ما وراء البنادق.. الوجه المالي الخفي لحرب السودان


حرب السودان التي طوت عامها الثالث ودخلت في الرابع، ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية؛ بل أضحت تجلياً صارخاً لدولة الظل المالية التي شيدها تنظيم الإخوان على مدار 3 عقود، واستثمرت الخراب لتتحول اليوم لمافيا عابرة للحدود تُدير مشهد الدم والرماد من خلف الستار.

التحقيقات الأخيرة في أبوظبي وواشنطن بشأن شبكات تهريب السلاح الإخوانية، ليست سوى نموذج مصغر لاقتصاد الحرب الذي يقتات عليه جنرالات الجيش وفلول النظام القديم، لضمان استدامة الحرب كخيار أوحد للبقاء السياسي والمالي، ضاربين عرض الحائط بمعاناة الملايين من السودانيين.

لقد برعت الحركة الإسلامية السودانية (الكيزان)، عبر أذرعها المتغلغلة في المؤسسة العسكرية، في تشييد منظومة هجينة تدمج بين الواجهات القانونية والنشاط الإجرامي؛ فبين شركات خاصة مسجلة تمويهاً في الخارج، وأخرى حكومية في الداخل، يُستغل غطاء الدواء والعمل الإنساني كقنوات لتمرير السلاح الإيراني وتبييض الأموال عبر الأسواق العالمية.

هذا التحول النوعي يعني بوضوح أن سلطة بورتسودان لم تعد تمثل مؤسسة دولة بالمعنى المتعارف عليه، بل أصبحت مركزاً لإدارة الجريمة المنظمة، حيث تُسخّر موارد الشعب السوداني المنهك لتمويل آلة القتل، مستغلةً تسهيلات النظام المالي الدولي وموانئ مافيا السلاح لتغذية شرايين حربٍ يرى فيها الإخوان ضمانةً لعدم المحاسبة ووسيلةً لفرض واقع جديد.

وتكمن الخطورة الحقيقية في أن هذه الشبكات نجحت في تغيير ديناميكية النزاع؛ فلم يعد الهدف نصراً عسكرياً أو تسوية سياسية، بل تحولت الحرب في حد ذاتها إلى مشروع استثمار مربح لطبقة من المنتفعين والوسطاء المرتبطين بالتنظيم الدولي للإخوان.

هذه العصابة الفاسدة يحركها هوس مزدوج، إما حربٌ تعيدهم إلى كراسي السلطة، أو فوضى يتربحون منها ليعيشوا في رغد بالخارج، ولهذا يمثل أي مسعى جاد للسلام تهديداً وجودياً لإمبراطوريتهم السرية.

وهو ما يفسر الاستماتة في إجهاض المبادرات الدولية، والمراهنة على إطالة أمد الخراب لتمكين اقتصاد الظل من ابتلاع ما تبقى من هيكل الدولة، وتحويل السودان إلى بؤرة رخوة تُدار بالوكالة لصالح أجندات أيديولوجية متطرفة.

أمام هذا المشهد المعقد، يصبح الحديث عن وقف إطلاق النار مجرد قشرة سطحية ما لم يقترن بإرادة دولية حازمة لتفكيك هذه البنية التحتية المالية، فالسودان اليوم لا يواجه جيشاً وطنياً يذود عن حياضه، بل يواجه كارتيلاً عابراً للحدود يستخدم البندقية كأداة لحماية أرصدته البنكية.

إن تجفيف منابع تمويل الجيش وواجهاته الإخوانية هو المفتاح الوحيد لكسر حلقة العنف، لأن استمرار هذه الشبكات يعني أن أي اتفاق سياسي سيولد ميتًا أمام سطوة أموال الظل. وهذا يستوجب تحركاً عالمياً ينتقل من الإدانات الدبلوماسية إلى الحصار المالي والاستخباراتي الشامل، لإنهاء سطوة اقتصاد المافيا الذي يرهن مستقبل السودان واستقرار المنطقة برمتها لصالح تنظيم أثبتت الوقائع أنه مستعد لإحراق الوطن بأكمله مقابل البقاء في السلطة.

ليست البندقية التي تطيل عمر الحرب، بل الحسابات البنكية التي تحرسها؛ وتجفيفها وحده ما يفتح طريق السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى