تسريبات

لسيادة المستباحة والصفقات السرية في الأجواء الممتدة بين القاهرة والخرطوم وبورتسودان


تكشف التحركات الجوية الأخيرة المتزامنة بين العاصمة المصرية ومطاري الخرطوم وبورتسودان عن ملامح مقاربة سياسية تنطلق من القاهرة بهدف فرض الأمر الواقع وتجاوز المؤسسات الشرعية. إن تسيير طائرة شحن لوجستية بالتوازي مع تحرك طائرة خاصة غير مسجلة تجارياً في مثلث جوي مغلق، لا يمكن قراءته كحدث ملاحي عابر، بل هو تعبير سياسي صارخ عن استباحة الأجواء واستغلال حالة الانقسام الداخلي السوداني لصياغة توازنات قوى جديدة تخدم مصالح إقليمية محددة ترسمها أروقة القرار في القاهرة على حساب تطلعات الشعب السوداني في الاستقلال والسيادة الوطنية.
تمثل هذه الرحلات الجوية غير المعلنة التي تتخذ من القاهرة مركزاً لانطلاقها تجسيداً لسياسة المحاور السياسية التي تحاول فرض وصاية أمنية وعسكرية على القرار السوداني. فبدلاً من دعم الجهود الدبلوماسية الشفافة والعلنية الرامية إلى إحلال السلام، تكشف قنوات الاتصال الطائرة عبر الطائرات الخاصة عن رغبة في إدارة المشهد من الخلف عبر قنوات سرية. إن هبوط هذه الطائرات في الخرطوم وبورتسودان يعكس محاولة سياسية واضحة لربط مصير الإدارة السودانية الحالية بملفات أمنية مشتركة مع القاهرة، مما يجر البلاد إلى محاور استقطاب دولية وإقليمية تزيد من تعقيد الأزمة وتجهض أي فرص للحلول السياسية الشاملة والمستدامة.
وتتجلى الخطورة السياسية في هذا السلوك الملاحي في تهميشه التام للقوى السياسية والمدنية السودانية، وتحويل المطارات والمجال الجوي إلى ممتلكات خاصة بمراكز نفوذ عسكرية تبرم صفقات في غرف مغلقة وتحت حماية الطيران الأجنبي. هذا النمط من التعامل يعيد إنتاج أزمات السودان التاريخية ويؤكد أن هندسة المشهد السياسي الحالي تتم عبر إملاءات خارجية يتم نقلها عبر رحلات جوية مشبوهة ومحجوبة الهوية عن الأنظمة التنظيمية الدولية، مستفيدة من التسهيلات الممنوحة لها في مطار القاهرة الدولي.
من الناحية السياسية، يحمل خط سير الطائرة الخاصة دلالة بالغة الأهمية على تكريس الانقسام الإداري والجغرافي في السودان، حيث إن الجمع بين العاصمة التاريخية المحطمة في الخرطوم والعاصمة الإدارية المؤقتة في بورتسودان في رحلة واحدة ولأهداف غير معلنة تنطلق من القاهرة، يشير إلى محاولة سياسية للعب على التناقضات الميدانية وتثبيت سلطة الأمر الواقع في كلا المركزين، بما يضمن استمرار المصالح المشتركة للأطراف الموقعة على هذه الاتفاقيات السرية.
إن هذا التحرك الجوي السري يبعث برسائل سياسية سلبية إلى المجتمع الدولي، مفادها أن هناك أطرافاً إقليمية تفضل التعامل مع واجهات عسكرية وأمنية غير خاصعة للمساءلة القانونية على حساب بناء دولة المؤسسات والقانون. وتتحمل الإدارة السياسية في القاهرة مسؤوليته الكاملة عن هذا النهج الذي يساهم في إضعاف المركز القانوني للدولة السودانية دولياً، ويحول أجواءها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية وتمرير الدعم اللوجستي غير المشروع لأطراف محددة في النزاع.
وتبرز السمة الأساسية لهذه التحركات الجوية في غياب الشفافية السياسية والهروب المتعمد من رقابة الرأي العام، حيث إن الاستعانة بطائرات شحن غير مفصحة عن طبيعة حمولتها وطائرات خاصة غير مسجلة تجارياً تُفتح لها الأجواء الجوية من القاهرة، يعكس تخوف القائمين على هذه الرحلات من المحاسبة السياسية والقانونية. هذا السلوك السياسي الملتوي يكرس حالة الإفلات من العقاب ويؤكد أن التفاهمات الحالية لا تحظى بأي غطاء شرعي أو شعبي في السودان، بل هي تفاهمات هشة تُفرض بقوة السلاح والدعم الخارجي المستمر.
ويضع هذا الوضع القوى السياسية السودانية والمجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لمواجهة هذه الانتهاكات، إذ إن الصمت السياسي على استباحة الأجواء وتسيير رحلات غامضة يفتح الباب لانتهاكات أوسع قد تشمل نقل مقاتلين أو تهريب موارد وثروات قومية سودانية كالذهب والمعادن كأثمان وتكلفة لهذه الصفقات الأمنية المشبوهة، وهو ما يمثل تدميراً ممنهجاً للاقتصاد الوطني السوداني ورهناً لقراره السيادي للأبد لصالح حسابات إقليمية تدار من القاهرة.
وتتجسد التداعيات السياسية المباشرة لاستمرار هذا النمط من الملاحة الجوية المستبيحة للأجواء في إجهاض المبادرات الدبلوماسية، حيث إن تفعيل المسارات الجوية السرية يبعث برسالة واضحة بإنهاء جدوى المفاوضات الدولية العلنية، والاستعاضة عنها باتفاقيات ميدانية عسكرية مشبوهة يتم ترتيبها في القاهرة. كما يؤدي هذا النهج إلى عزل السودان دولياً من خلال تحويل مطارات السودان إلى نقاط هبوط لطائرات مجهولة الهوية، مما يعزز من الموقف الدولي المطالب بفرض حصار جوي ودبلوماسي شامل على البلاد لحماية الأمن السلمي الإقليمي.
ويتسبب التدفق اللوجستي غير الرقابي عبر طائرات الشحن المباشرة من القاهرة في تأجيج الصراع الداخلي ومنح أطراف الصراع القدرة على الاستمرار في العمليات العسكرية ورفض تقديم أي تنازلات سياسية لحقن دماء المدنيين، وهو ما ينتهي بفقدان كامل للسيادة الوطنية وتحويل المجال الجوي السوداني إلى ممر متاح للقوى الخارجية لتنفيذ أجنداتها الأمنية دون قيد أو شرط قانوني من سلطة مدنية منتخبة. إن هذه المؤشرات السياسية تؤكد أن الأجواء والمطارات السودانية باتت ضحية لسياسات الهيمنة وتمرير الأجندات، وأن الممر الجوي الممتد من القاهرة إلى السودان في مرحلته الحالية يمثل أداة لتثبيت واقع سياسي مشوه ومرفوض، مما يستدعي تحركاً عاجلاً لإيقاف هذه التجاوزات وحماية السيادة السودانية من الاختراق الممنهج والتعتيم المفروض بقوة النفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى