تسريبات

كيف دمر التداخل الإقليمي النسيج الاجتماعي وطغى على صوت المدنيين السودانيين؟


وراء خرائط النفوذ، وخطوط إمداد الطائرات المسيرة، وقاعات مفاوضات الفنادق المكيفة في جدة والقاهرة والدوحة، هناك شعب بكامله يُذبح. إن التركيز على “الدور الإقليمي” لا يجب أن يطغى على “المأساة الإنسانية”. إن تدخل مصر، السعودية، تركيا، وقطر في السودان لم يكن مجرد خطأ جيوسياسي، بل كان “جريمة ضد الإنسانية” بمعايير غير مباشرة، حيث ساهم هذا التداخل في تدمير النسيج الاجتماعي السوداني، وتهميش صوت المدنيين، وتمكين أسوأ عناصر العنف في المجتمع.
تدمير النسيج الاجتماعي: “الفرقة تسود”
لقد استغل التداخل الإقليمي الانقسامات القبلية والجهوية في السودان. “الدعم السريع” يعتمد في تكوينه على محددات قبلية من غرب السودان، بينما “الجيش” يعتمد على شبكة ضباط من شمال ووسط السودان. الدول الإقليمية، في سعيها لكسب الولاءات، لم تتردد في “تأجيج” هذه الهويات الفرعية. مصر والسعودية، بدعمهما للجيش، عززتا بشكل غير مقصود (أو مقصود أحياناً) من خطاب “المركز ضد الأطراف”، مما أدى إلى استقطاب قبائل الغرب والدارفور بشكل أعمق خلف “الدعم السريع”. في المقابل، تركيا وقطر، من خلال تعاطفهما مع التيارات الإسلامية أو القوى المدنية الرافضة للجيش، خلقا حالة من “الاستقطاب الأيديولوجي” الذي مزق الأسر والقرى. الحرب لم تعد فقط بين جيشين، بل أصبحت حرباً أهلية طاحنة بين مكونات المجتمع السوداني، بسبب غياب أي جهد إقليمي حقيقي لـ”المصالحة الوطنية”، والاكتفاء بدعم “الفرسان” العسكريين.
تكميم الأفواه: كيف أغلقت الأجندات الإقليمية فوهة المدنيين؟
أكثر الجرائم بشاعة التي ارتكبتها الدول الأربع هي “تغييب الصوت المدني السوداني”. منذ ثورة 2019، كان هناك حلم سوداني بـ”دولة مدنية ديمقراطية”. لكن مصر والسعودية، بخوفهما المرضي من “الإسلاميين” أو حتى من “الفوضى الديمقراطية”، ضغطا بشراسة لدعم العسكر. تركيا وقطر، من جانبهما، رغم دعمهما الظاهري لبعض المدنيين، إلا أنهما كانا يبحثان عن “وكلاء” مدنيين يخدمون أجندتهما، وليس عن بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية. هذا التداخل أدى إلى “تفتيت” القوى المدنية. فبينما تدعم قطر وتركيا فصائل مدنية معينة، تدعم مصر والسعودية العسكر، مما جعل القوى المدنية السودانية تقضي وقتها في “المؤتمرات الصحفية” و”المناشדות” للعواصم الأجنبية، بدلاً من التوحد لوقف الحرب. لقد حولت الدول الأربع المدنيين السودانيين إلى “مجموعات ضغط” تتسول الدعم الخارجي، بدلاً من أن يكونوا قوة تغيير حقيقية.
الكارثة الإنسانية: الشعب يدفع الثمن إن إطالة أمد الحرب بسبب التوازن الإقليمي السلبي أدى إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
  • التشريد: ملايين النازحين واللاجئين. مصر استقبلت مئات الآلاف، لكنها في نفس الوقت دعمت سياسياً الطرف الذي يقصف المدن ويدفع الناس للنزوح.
  • المجاعة: تدمير المحاصيل ومنع المساعدات. السعودية ومصر، اللتان تتحدثان عن “الأمن الغذائي”، كانتا جزءاً من معادلة أطالت الحرب التي دمرت سلة غذاء السودان.
  • تدمير البنية التحتية: المستشفيات، المدارس، والمصانع دُمرت بطائرات تركية وصواريخ سعودية/مصرية (بشكل غير مباشر عبر دعم الجيش).
إن الدرس الأليم من الأزمة السودانية هو أن “الاستقرار المُفرض” من الخارج هو سراب. الدول الأربع (مصر، السعودية، تركيا، قطر)، بتداخلاتها، أنشأت “نظاماً إقليمياً ساماً” يرفض أي حل لا يضمن هيمنتها. لكن الدم السوداني، والخراب الذي حل بوسط السودان ودارفور والنيل الأزرق، يصرخ بأن هذا النموذج قد فشل. لن ينعم السودان بالسلام إلا إذا أدركت هذه الدول أن “أمنها الحقيقي” لا يتحقق بدعم الديكتاتوريات أو الفصائل المسلحة، بل بدعم “الشعب السوداني” في بناء دولته المدنية. وحتى ذلك الحين، ستظل الدماء السودانية تسيل على مذابح الأجندات الأجنبية، وسيظل الشعب السوداني يدفع ثمن “أوهام الهيمنة” الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى