تسريبات

قطر والسعودية في السودان.. وساطات متعثرة وحسابات متضاربة


إلى جانب تركيا ومصر، برزت كل من قطر والمملكة العربية السعودية كفاعلين إقليميين رئيسيين في الأزمة السودانية. ورغم أن كلا البلدين قدّم نفسه كوسيط يسعى لإنهاء الصراع، إلا أن الممارسة الفعلية كشفت عن حسابات معقدة ومصالح متضاربة أسهمت، بشكل أو بآخر، في تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة. فالدوحة والرياض، كلٌ بأسلوبه وأدواته، أضفتا طبقات إضافية من التعقيد على صراع هو في الأصل معقد بما يكفي.

السعودية: من جدة إلى الجمود

استضافت المملكة العربية السعودية، بالشراكة مع الولايات المتحدة، محادثات جدة بين طرفي الصراع السوداني في مايو 2023. كانت هذه المحادثات تمثل أملاً في التوصل إلى وقف لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية. لكن النتائج جاءت مخيبة للآمال، إذ لم تُسفر عن اختراق حقيقي، وتعثرت مراراً بسبب عدم التزام الأطراف بالاتفاقات الجزئية.
السؤال الجوهري هو: لماذا تعثرت محادثات جدة؟ الإجابة تكمن جزئياً في الحسابات السعودية نفسها. فالرياض، التي تنظر إلى السودان من منظور أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي، كانت تسعى لضمان مصالحها الاستراتيجية في أي تسوية. هذا الشرط الضمني جعل الوساطة السعودية غير محايدة بالكامل في نظر بعض الأطراف، ما أضعف فعاليتها.
علاوة على ذلك، فإن السعودية حافظت على علاقات مع أطراف متعددة في المعادلة السودانية، بما في ذلك قيادات عسكرية وقوى سياسية ومدنية. هذا التعدد في العلاقات، رغم أنه قد يُقرأ كحياد، إلا أنه في الممارسة العملية خلق حالة من الغموض حول الموقف السعودي الفعلي، وأضعف قدرة الرياض على الضغط الحاسم على أي طرف.

قطر: وساطة ناعمة أم تدخل خفي؟

اتبعت قطر نهجاً مختلفاً في التعاطي مع الأزمة السودانية. فالدوحة، المعروفة بدورها كوسيط في نزاعات إقليمية متعددة، سعت لتقديم نفسها كطرف محايد قادر على فتح قنوات اتصال مع جميع الأطراف. لكن هذا الدور القطري أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي تربط الدوحة ببعض الفاعلين السودانيين.
قطر، بعلاقاتها التاريخية مع تيارات الإسلام السياسي في المنطقة، وجدت نفسها قريبة من أطراف سودانية معينة. هذا القرب، سواء كان أيديولوجياً أو سياسياً، أضعف صورة الحياد التي سعت الدوحة لترويجها. كما أن قطر استخدمت أدواتها الإعلامية والدبلوماسية للتأثير في الرواية المحيطة بالصراع، ما أسهم في الاستقطاب بدلاً من التهدئة.

تقاطع الأدوار: السعودية وقطر وتركيا

اللافت في المشهد السوداني هو تعدد الفاعلين الإقليميين وتداخل أدوارهم. فالسعودية وقطر وتركيا، رغم خلافاتها البينية في ملفات إقليمية أخرى، وجدت نفسها جميعاً حاضرة في الملف السوداني. هذا الحضور المتعدد خلق حالة من التنافس على من يقود الوساطة ومن يملك التأثير الأكبر.
تركيا، بعلاقاتها مع الإسلاميين السودانيين وطموحاتها في البحر الأحمر، سعت لتثبيت حضورها. والسعودية، بأمن البحر الأحمر وموقعها كقوة إقليمية كبرى، أرادت ضمان عدم تهميش دورها. وقطر، بأدواتها الدبلوماسية والإعلامية، سعت لتعزيز صورتها كوسيط لا غنى عنه. هذا التعدد في الطموحات جعل التنسيق شبه مستحيل، والنتيجة كانت مبادرات متنافرة لا تصب في مصلحة الشعب السوداني.

البعد الاقتصادي: الاستثمار في الفوضى

لا يمكن فصل الدور السعودي والقطري في السودان عن البعد الاقتصادي. فالسودان، بثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية، يمثل فرصة استثمارية ضخمة. وفي ظل حالة الفوضى والصراع، تصبح هذه الثروات أكثر عرضة للاستغلال بشروط مجحفة. كلا البلدين سعى لضمان حصته من هذه الثروات، سواء من خلال علاقات مع أطراف الصراع أو من خلال ترتيبات اقتصادية مستقبلية.
هذا البعد الاقتصادي أضاف حافزاً خفياً لإطالة أمد الصراع، فالدول المستفيدة اقتصادياً من حالة عدم الاستقرار لا تملك دافعاً قوياً لإنهاء الحرب بسرعة. بل إن استمرار الصراع قد يمنحها فرصة للحصول على امتيازات أكبر من حكومة ضعيفة أو منقسمة.

تركيا وقطر: تقارب أيديولوجي في الساحة السودانية

تتقاطع تركيا وقطر في الساحة السودانية من خلال علاقاتهما المشتركة مع تيارات الإسلام السياسي. هذا التقاطع الأيديولوجي خلق محوراً غير معلن يسعى لضمان حضور هذه التيارات في أي تسوية سياسية مستقبلية. هذا المسعى يتعارض مع مطالب قطاعات واسعة من الشعب السوداني التي ثارت ضد حكم الإسلاميين وتسعى لبناء دولة مدنية ديمقراطية.
هذا التقاطع التركي القطري أسهم في تعقيد المشهد لأنه أضاف بُعداً أيديولوجياً لصراع هو في الأساس صراع على السلطة والموارد. فبدلاً من أن يكون الصراع بين قوتين عسكريتين يمكن التفاوض بينهما، أصبح صراعاً متعدد الأبعاد يتضمن بعداً أيديولوجياً تدعمه قوى إقليمية.

السعودية وتركيا: تنافس على قيادة البحر الأحمر

من أوجه التعقيد الإضافية التنافس السعودي التركي على النفوذ في منطقة البحر الأحمر. فتركيا تسعى لتثبيت حضورها عبر السودان، بينما ترى السعودية أن أمن البحر الأحمر هو خط أحمر يخصها بالدرجة الأولى. هذا التنافس جعل السودان ساحة صراع نفوذ بين قوتين إقليميتين، كل منهما تسعى لمنع الأخرى من تحقيق مكاسب استراتيجية.
النتيجة المباشرة لهذا التنافس هي أن أي تسوية في السودان يجب أن تأخذ في الاعتبار مصالح هاتين القوتين، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد على مفاوضات هي أصلاً صعبة ومعقدة.

غياب الضغط الحقيقي

رغم كل الخطابات الداعية للسلام والوقف الفوري لإطلاق النار، لم تمارس أي من هذه القوى الإقليمية ضغطاً حقيقياً وفعالاً على أطراف الصراع. لا السعودية استخدمت ثقلها الاقتصادي والسياسي لإجبار الأطراف على التفاوض الجاد، ولا قطر وظفت شبكة علاقاتها لخلق اختراق، ولا تركيا استخدمت نفوذها لوقف تدفق السلاح. هذا الغياب للضغط الحقيقي يكشف أن الخطابات الدبلوماسية كانت مجرد غطاء لمصالح أعمق.
إن الدورين القطري والسعودي في السودان، إلى جانب الدور التركي، يكشفان كيف يمكن للوساطات الإقليمية أن تتحول إلى عامل تعقيد إضافي عندما تكون مدفوعة بمصالح ذاتية لا بمصلحة الشعب المتصارع. السودان بحاجة إلى وساطة نزيهة لا تشترط مصالح الوسيط، وإلى ضغط إقليمي ودولي حقيقي يضع حداً لتدفق السلاح ويفرض وقفاً لإطلاق النار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى