تسريبات
المناورات الاقتصادية والسياسية للسعودية وقطر في القرن الأفريقي
إذا كانت تركيا ومصر تمثلان المحور الأيديولوجي والأمني المباشر، فإن السعودية وقطر تمثلان البعد المالي والاقتصادي والاستراتيجي الأوسع في الأزمة السودانية. التدخل القطري السعودي، رغم اختلاف أدواته وأهدافه، share في كونه ساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الصراع، حيث تحولت الأزمة السودانية إلى ورقة مساومة في لعبة النفوذ الخليجية، وأصبح كل طرف يبحث عن موطئ قدم في دولة تمتلك مقومات القوة الزراعية والمعدنية والموقع الجيوسرافي الفريد.
تنظر المملكة العربية السعودية إلى السودان كعنصر حاسم في معادلتها الأمنية والاقتصادية الجديدة، خاصة في إطار “رؤية 2030”. أمن البحر الأحمر هو أولوية سعودية قصوى، خاصة مع التهديدات الحوثية في اليمن، والتوترات في القرن الأفريقي. تسعى الرياض إلى ضمان أن تظل السواحل السودانية تحت سيطرة حليف استراتيجي مضمون، وهو ما وجدته في البداية في المؤسسة العسكرية التقليدية (الجيش السوداني). لذلك، استضافت السعودية، وبالتحديد مدينة جدة، مفاوضات السلام بين طرفي الصراع. ورغم أن هذه المفاوضات كانت تُقدم للعالم على أنها مبادرة لإحلال السلام، إلا أن التحليل الاستراتيجي يُظهر أن الرياض كانت تسعى من خلالها إلى إدارة الصراع وليس إنهائه فوراً. فإطالة أمد المفاوضات، وفرض هدن هشة سرعان ما تنهار، خدمت الهدف السعودي في استنزاف الطرفين وإجبارهما على الجلوس إلى طاولة واحدة تحت الرعاية السعودية، مما يعزز من دور الرياض كوسيط لا غنى عنه في المنطقة.
علاوة على ذلك، تمتلك السعودية طموحات اقتصادية ضخمة في السودان، تتعلق بالأمن الغذائي (استصلاح الأراضي الزراعية)، والتعدين (خاصة الذهب)، والاستثمار في الموانئ. هذه الطموحات تتطلب استقراراً أمنياً، لكن الرياض أدركت أن دعمها المطلق للجيش السوداني قد لا يكون كافياً، خاصة مع التعقيدات الميدانية. لذا، مارست السعودية ضغوطاً اقتصادية على الأطراف المتقاتلة، واعدة إياها باستثمارات ضخمة ومساعدات مالية في حال التوصل إلى تسوية تخدم المصالح السعودية. هذا الوعد المالي، الذي تم توظيفه كـ “جزرة” لكلا الطرفين، أدى إلى استمرار كلا الفصيلين في القتال، كلٌ منهما يأمل في تحسين موقعه التفاوضي للحصول على حصة أكبر من الكعكة الاقتصادية السعودية المستقبلية.
أما بالنسبة لقطر، فإن مقاربتها للأزمة السودانية تختلف جوهرياً عن المقاربة السعودية، رغم التقاء المصالح أحياناً. تعتمد الدوحة على “القوة الناعمة” والدبلوماسية المالية، ودعم التيارات الإسلامية السياسية في المنطقة. في السياق السوداني، وجدت قطر حلفاء طبيعيين في قوى الحرية والتغيير (الجناح المدني) وفي الأحزاب الإسلامية التي كانت لها نفوذ في المراحل الانتقالية السابقة. عندما اندلع الصراع، سعت قطر إلى توظيف نفوذها المالي والإعلامي لدعم الجانب المدني والسياسي، ومعارضة الهيمنة العسكرية المطلقة، وهو ما يتقاطع في مراحله الأولى مع بعض أهداف قوى الدعم السريع التي حاولت تقديم نفسها كحامية للتحول المدني.
التدخل القطري تجلى أيضاً في محاولات الدوحة لتقديم نفسها كوسيط بديل أو مكمل للوساطة السعودية. فمن خلال استضافة بعض القيادات السياسية السودانية، وتقديم الدعم اللوجستي والمالي لشبكات النفوذ الموالية لها، حاولت قطر ضمان ألا ينفرد المحور السعودي المصري بترتيب مستقبل السودان. هذا التنافس الخفي بين الرياض والدوحة أدى إلى تشتيت الجهود الدبلوماسية. فبدلاً من أن يكون هناك موقف خليجي موحد يضغط على الطرفين العسكريين لوقف إطلاق النار، وجدنا رسائل متضاربة؛ الرياض تضغط على الجيش السوداني لقبول تسويات سياسية، بينما الدوحة توفر منصات إعلامية ودبلوماسية لقوى مدنية وسياسية ترفض التفاوض مع العسكريين على قدم المساواة، أو ترفض التسويات التي يُنظر إليها على أنها تشرعن للانقلاب.
علاوة على ذلك، لعبت الأموال الخليجية دوراً سلبياً في تغذية آلة الحرب. فكلا الطرفين المتحاربين، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كانا يعتمدان بشكل متزايد على التحويلات المالية، والودائع، والوعود الاستثمارية من العواصم الخليجية لتمويل مجهودهما الحربي. عندما يدرك أي طرف أنه يمتلك ظهيراً مالياً من دولة خليجية كبرى، تقل لديه الحافزية لتقديم تنازلات حقيقية على طاولة المفاوضات. لقد أصبحت الحرب في السودان “مشروعاً مربحاً” بالنسبة للنخب المتحاربة، حيث تتدفق الأموال الخارجية لتمويل المرتزقة، وشراء الولاءات القبلية، وتغطية نفقات العمليات العسكرية.
إن التعقيد الذي أضافته السعودية وقطر للأزمة السودانية يكمن في “ازدواجية المعايير” و”تعدد المسارات”. فبينما تعلن الرياض رسمياً دعمها لسيادة السودان ووحدة ترابه، فإنها عملياً تتفاوض مع قادة الميليشيات وتتعامل مع الأمر الواقع على الأرض. وبينما تعلن الدوحة دعمها للتحول الديمقراطي، فإنها تدعم فصائل سياسية منقسمة وضعيفة لا تملك قوة فعلية على الأرض، مما يخلق فراغاً أمنياً تملؤه الميليشيات. هذا التداخل في المصالح الخليجية، حيث تسعى كل دولة لضمان نفوذها الخاص على حساب الاستقرار الشامل، حول السودان إلى دولة فاشلة بامتياز، ممزقة بين وعود اقتصادية لم تتحقق، وتدخلات سياسية عمقت من الانقسام الداخلي، وجعلت من الحل السلمي حلماً بعيد المنال.




