المجتمع المدني في صدارة المشهد.. رهان إفريقي لكسر جمود الأزمة السودانية
أُعلنت ورشة الخبراء حول مناصرة سياسات المجتمع المدني بشأن السودان، التي اختتمت أعمالها في العاصمة الكينية نيروبي الأربعاء، عن تأسيس “ائتلاف السودان” كتحالف حقوقي إفريقي واسع، يهدف إلى حشد الدعم الإقليمي والدولي للمبادرات الرامية إلى إنهاء النزاع، ما يعكس اتجاهاً متنامياً نحو توسيع دور منظمات المجتمع المدني في التعامل مع الأزمة السودانية، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي أخفقت خلالها المبادرات السياسية والدبلوماسية في فرض وقف دائم لإطلاق النار أو إطلاق عملية سياسية شاملة.
ويهدف الائتلاف الجديد إلى توحيد جهود المنظمات الحقوقية الإفريقية والسودانية، وحشد دعم إقليمي ودولي للمبادرات الرامية إلى إنهاء النزاع، وفي مقدمتها مبادرات الآلية الرباعية والخماسية، فضلاً عن تعزيز حضور المجتمع المدني في المنصات الإقليمية والدولية، في محاولة لإيجاد مسار موازٍ للمفاوضات الرسمية التي تواجه حالة من الجمود.
ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه المبادرات السياسية تحديات متزايدة، إذ لم تتمكن جولات التفاوض التي رعتها أطراف إقليمية ودولية من التوصل إلى اتفاق مستدام، كما تعثرت جهود الوسطاء بسبب تباعد مواقف طرفي الصراع واستمرار العمليات العسكرية وتعدد الجهات المنخرطة في النزاع.
وفي ظل هذا التعثر، يبدو أن المؤسسات الإفريقية باتت تراهن على المجتمع المدني بوصفه أداة قادرة على إبقاء الملف السوداني حاضراً في الأجندة الدولية، والدفع نحو زيادة الضغوط السياسية والإنسانية على الأطراف المتحاربة، إضافة إلى توثيق الانتهاكات، والدفاع عن حقوق المدنيين، والمطالبة بضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وانطلقت الورشة الإثنين الماضي بمشاركة مجموعة من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في إفريقيا، فضلاً عن ممثلين من منظمات المجتمع المدني الرئيسية في القارة. وتأتي هذه الورشة بتنظيم من المركز الإفريقي للديمقراطية ودراسات حقوق الإنسان ومركز العدالة والمساءلة في إفريقيا، وكلاهما يتمتعان بصفة استشارية لدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وشارك في الورشة شخصيات حقوقية ودبلوماسية بارزة مثل رئيس البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، محمد شاندي عثمان، والمستشارة الخاصة المنتهية ولايتها للاتحاد الإفريقي المعنية بالمرأة والسلام والأمن، بينيتا ديوب. كما حضرها منسقة فريق البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق، كارولين بوسمان، بالإضافة إلى ممثلين عن مفوضيات أممية وقيادات حقوقية من عدة دول إفريقية.
وقالت هانا فوستر، الرئيسة التنفيذية للمركز الإفريقي للديمقراطية ودراسات حقوق الإنسان، إن إنشاء “ائتلاف السودان” يمثل خطوة مهمة نحو بناء منصة إفريقية موحدة للدفاع عن حقوق السودانيين، والعمل على نقل صوت الضحايا إلى المؤسسات الإقليمية والدولية، مؤكدة استعداد المركز لتوفير جميع أشكال الدعم الفني واللوجستي لضمان نجاح عمل الائتلاف.
وأوضحت أن المسودة النهائية للنظام الأساسي وخطة عمل الائتلاف ستُنجز قبل نهاية الشهر الجاري، بما يتيح انطلاق أنشطته بصورة رسمية خلال الفترة المقبلة.
وأكد المشاركون في الورشة أن الأزمة السودانية تجاوزت حدودها الوطنية وأصبحت تمثل تحديًا إقليميًا وإنسانيًا يتطلب تحركًا إفريقيًا أكثر تنسيقًا، مشددين على ضرورة توحيد خطاب منظمات المجتمع المدني تجاه المجتمع الدولي بما يعكس حجم الكارثة الإنسانية الناتجة عن استمرار الحرب.
ودعا الخبراء إلى إعداد استراتيجية إفريقية مشتركة للمناصرة السياسية، تمكن المنظمات الحقوقية من التحرك بصورة أكثر فاعلية أمام الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، بما يسهم في الضغط من أجل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
ورغم أهمية تأسيس “ائتلاف السودان”، فإن مراقبين يرون أن أثره سيظل محدوداً إذا لم يقترن بإرادة سياسية لدى أطراف النزاع والقوى الإقليمية والدولية المؤثرة.
فالمجتمع المدني، مهما توسعت شبكاته، لا يمتلك أدوات إلزام لفرض وقف إطلاق النار أو تنفيذ الاتفاقات، كما أن الأزمة السودانية تجاوزت كونها نزاعاً داخلياً، لتصبح ساحة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل أي مبادرة مجتمعية تواجه تحديات كبيرة.
إضافة إلى ذلك، فإن تعدد المبادرات والآليات، من الاتحاد الإفريقي إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) والأمم المتحدة، مروراً بالمبادرات العربية والدولية، أدى إلى تشتيت الجهود بدلاً من توحيدها، وهو ما انعكس على فرص تحقيق اختراق سياسي.




