أحداث

السودان.. نقاشات في نيروبي حول مسارات الحل السياسي


من نيروبي ولدت ورقة تحمل بين طياتها ثلاثة مسارات تقود لإنهاء حرب السودان وبناء دولة مدنية، صاحبتها آمال بإمكانية تحقيقها اختراقًا مشروطًا في المشهد المأزوم.

واختتمت القوى الموقعة على إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد، اجتماعاتها في العاصمة الكينية نيروبي، بخريطة طريق تناولت أسس العملية السياسية المطلوبة لإنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان.

وبحسب الورقة فإن الأزمة السودانية لا يمكن معالجتها عبر تسويات جزئية أو صفقات بين أطراف الحرب، بل من خلال عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتستند إلى العدالة والديمقراطية والمواطنة المتساوية، مع ضمان المشاركة الواسعة للقوى المدنية والشباب والنساء.

نيروبي والحلقة المغلقة لحرب السودان.. مقاربة مدنية أمام اختبار الميدان (خاص) - صورة 1

وطرحت الورقة ثلاثة مسارات متزامنة لإنهاء الحرب، تشمل المسار الإنساني لفتح الممرات الآمنة، وحماية المدنيين، وعودة النازحين، ومسار وقف إطلاق النار تمهيداً لاتفاق شامل ومستدام، إلى جانب المسار السياسي الذي يناقش قضايا الحكم والدستور، والعلاقة بين الدين والدولة، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والمدنية.

وشددت على ضرورة تهيئة المناخ للعملية السياسية عبر إجراءات عاجلة، بينها إطلاق سراح المعتقلين، ورفع الحصار عن المدن، ووقف الانتهاكات، وضمان حرية الحركة والعمل السياسي، إضافةً إلى توسيع الفضاء المدني وإشراك القوى المناهضة للحرب في تصميم العملية السياسية.

وأكدت أن أي عملية سياسية ذات مصداقية يجب أن تقوم على محاسبة المتورطين في جرائم الحرب، وعدم الإفلات من العقاب، مع تفكيك منظومة الحرب وبناء جيش وطني مهني موحد، ورفض عودة هيمنة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني على الدولة.

فهل تقود لاختراق؟

تقول الأكاديمية والباحثة السودانية، الدكتورة هداية تاج الأصفياء حسن البصري إن ورقة اجتماعات نيروبي أقرب إلى مقاربة مركّبة تجمع بين السياسي والإنساني والأمني، بدلا من التركيز الأحادي على الترتيبات السياسية.

وأوضحت أنها تعد أوسع تمثيلاً من كثير من المبادرات السابقة، إذ سعت نظريًا إلى إشراك قوى مدنية، ومكونات اجتماعية، إلى جانب أطراف سياسية تقليدية، فضلا عن أنها أقل ارتهاناً للثنائية العسكرية التي طبعت مبادرات عدة، وأكثر انفتاحاً على إعادة تعريف الأزمة بوصفها أزمة الدولة السودانية المركزية وليست صراعا على السلطة فقط.

وحول إمكانية أن تقود اجتماعات نيروبي إلى إطلاق مسار سلام دائم؟ قالت الأكاديمية السودانية، إن ورقة نيروبي تمتلك مقومات أولية لذلك، رغم أنها غير مكتملة، فأهمها:

  • الاعتراف بتعدّد جذور الصراع (المركز/الهامش، الجيش/المدنيين، الاقتصاد الحربي).
  • الربط بين وقف الحرب وبناء مسار مدني انتقالي.

لكن في الوقت نفسه، تفتقر إلى التالي:

  • آليات إلزام واضحة.
  • ضمانات إقليمية ودولية صلبة لتنفيذ ما يُتفق عليه.

واعتبرت الباحثة السودانية، أن اجتماعات نيروبي تعكس تحوّلاً في طريقة التعاطي مع الأزمة، يتمثل في الآتي:

  • الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة تفكيك بنيتها.
  • إعادة الاعتبار لدور المدنيين بعد تهميش طويل.

غير أن هذا التحول لم يصل بعد إلى مستوى إعادة هندسة المسار التفاوضي بالكامل، بحسب الدكتورة هداية، كاشفة عن أن هناك بنودًا قابلة لتشكيل أرضية توافق، تتمثل في الآتي:

  • وقف إطلاق نار إنساني شامل ومراقَب.
  • حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية.
  • استبعاد الحل العسكري وإقرار مبدأ الحكم المدني.
  • إطلاق عملية سياسية انتقالية ذات جدول زمني واضح.

وأشارت إلى أن هذه البنود تحظى بقبول نسبي حتى وسط أطراف متباينة، وإن اختلفت دوافع القبول، متوقعة أن تقود تلك البنود إلى كسر حالة الجمود السياسي عبر إعادة جمع قوى مدنية متفرقة حول وثيقة مرجعية، لكنها تبقى عاجزة لوحدها عن كسر الجمود العسكري ما لم تُربط بضغوط إقليمية ودولية فعالة على أطراف القتال.

إلى أي مدى تراعي الورقة تعقيدات المشهد؟

وبحسب الأكاديمية السودانية، فإن هذه الورقة تُظهر وعياً عاماً بتعقيد المشهد مما أعتبره نقطة تطور مهمة عند المدنيين، لكن رغم ذلك لا تُقدّم الورقة قراءة دقيقة كافية لاقتصاد الحرب، كما لا تعالج بعمق مسألة تعدد الجيوش والمليشيات.

كذلك يُلاحظ أنها تميل أحياناً إلى تفاؤل سياسي لا يوازي الواقع الميداني ولا يتناسب معه، تضيف الدكتورة هداية، مشيرة إلى أن ضرورة ارتباط هذه المخرجات بآلية مراقبة مستقلة، وحصولها على دعم إقليمي منسّق.

نيروبي والحلقة المغلقة لحرب السودان.. مقاربة مدنية أمام اختبار الميدان (خاص) - صورة 2

لكن الخطر يكمن في أن تتحول إلى وقف نار هش يُستغل لإعادة التموضع العسكري للأطراف المتحاربة، بحسب الدكتورة هداية، معتبرة أن الفرص محدودة لقبول طرفي الحرب بها لكنها غير معدومة.

ورغم ذلك اعتبرت ورقة نيروبي تمثل تقدّماً على مستوى التشخيص والمنهج مقارنة بمبادرات سابقة، لكنها لاتعد اختراقاً حاسماً.

وأشارت إلى أن نجاحها مرهون بتحويلها من وثيقة نوايا إلى مسار ملزِم، كذلك قدرتها على إعادة بناء مركز ثقل مدني سوداني قادر على فرض السلام بوصفه الخيار الوحيد.

أسس جديدة

في السياق نفسه، اعتبر المحلل السياسي السوداني النجمي عثمان، أن أي عملية سياسية ناجحة يجب أن تنطلق من إعادة بناء الدولة والجيش على أسس جديدة، وإنهاء سيطرة الحركة الإسلامية على مؤسسات الدولة، مؤكداً أن مشروع «تأسيس» يتضمن رؤية لبناء دولة مدنية ودستور جديد يقوم على المواطنة المتساوية.

وانتقد مواقف بعض القوى المشاركة في الاجتماعات، معتبراً أنها تبنت الحياد في مواجهة ما وصفه بـ«هيمنة الحركة الإسلامية» على الجيش، رغم مطالبتها بالمشاركة في أي ترتيبات سياسية أو انتقالية مستقبلية.

وقال إن قوى «تأسيس» والدعم السريع «تتحمل كلفة المواجهة السياسية والعسكرية والإعلامية»، في حين ترفض قوى أخرى الانخراط المباشر في الصراع، رغم سعيها للمشاركة في أي تسوية سياسية مقبلة.

وقلل المحلل السياسي السوداني من النتائج المتوقعة من اجتماعات نيروبي، معتبراً أنها «لن تقود إلى نتائج عملية» ما دامت لا تحسم موقفها من الحرب ومن طبيعة الصراع الدائر في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى