السودان بين المطرقة التركية والسندان الخليجي: كيف تتصارع أنقرة والرياض والدوحة على أشلاء دولة؟
لم يكن السودان يوماً مجرد دولة عربية وأفريقية عابرة، بل كان دائماً جائزة كبرى في صراع المحاور الإقليمية. فبينما كانت الثورة السودانية تحاول شق طريقها نحو الديمقراطية في 2019، كانت ثلاث عواصم إقليمية كبرى – أنقرة، الرياض، والدوحة – ترسم خرائط نفوذ جديدة فوق الجثة الهامشية للتحول الديمقراطي. هذا التحقيق يستعرض كيف تحولت التدخلات التركية والسعودية والقطرية إلى مثلث خانق أجهز على ما تبقى من سيادة السودان.
تركيا.. من “الإخوان” إلى “الطائرات المسيرة”
التحول الاستراتيجي (2019-2026):
بدأت تركيا علاقتها مع السودان في عهد البشير كحليف استراتيجي للإسلاميين، وسعت للحصول على قاعدة عسكرية في سواكن لضمان نفوذها في البحر الأحمر. ومع سقوط البشير، راهن أردوغان على “الإخوان المسلمين” وحاضنتهم في قوى الحرية والتغيير للحفاظ على النفوذ.
أثناء الحرب (2023-2026):
في مفارقة تاريخية، وجدت أنقرة نفسها مضطرة لدعم الفريق أول البرهان (الذي حارب الإسلاميين) لمواجهة النفوذ السعودي المتزايد ولضمان موطئ قدم في البحر الأحمر. تجلى هذا الدعم بشكل عملي عبر:
تزويد الجيش السوداني بطائرات “بيرقدار” المسيرة التي غيرت معادلة القتال في عدة محاور.
الدعم الدبلوماسي والإعلامي لشرعية البرهان.
محاولة استغلال الأزمة لاستعادة النفوذ الاقتصادي والعسكري المفقود.
الثمن السوداني: دفع السودانيون ثمن هذا التحول التركي بدمائهم، حيث استخدمت طائراتهم المسيرة في قصف مناطق مدنية، بينما كانت أنقرة تبحث عن توازنات جيوسياسية جديدة.
السعودية.. الوصاية الأمنية والهيمنة الاقتصادية
رؤية 2030 والبطش السوداني:
نظرت الرياض إلى السودان كعمق استراتيجي ضروري لأمنها القومي ولطموحاتها الإقليمية في البحر الأحمر. ومع صعود محمد بن سلمان، تحولت السياسة السعودية من “الدعم الخفي” إلى “الوصاية المباشرة”.
أدوار الرياض في الأزمة:
الدعم المالي المشروط: ضخت السعودية مليارات الدولارات لدعم الاقتصاد السوداني، لكن هذه الأموال كانت غالباً موجهة لدعم المؤسسة العسكرية (البرهان وحميدتي سابقاً) لضمان ولاء القيادات العسكرية.
مفاوضات جدة: قادت السعودية (مع الولايات المتحدة) مفاوضات جدة، التي انتقدها الكثيرون بأنها كانت “مسكنًا” أتاح للأطراف المتحاربة إعادة تجميع الصفوف وشحن الأسلحة بدلاً من وقف الحرب.
الزراعة والأمن الغذائي: سعت الرياض للسيطرة على الأراضي الزراعية السودانية الخصبة لضمان الأمن الغذائي للمملكة، مما حول السودان إلى “مزرعة تابعة” بدلاً من شريك مستقل.
المفارقة: دعمت السعودية البرهان كـ”شرعية دولة” خوفاً من الفوضى، لكن دعمها السابق لحميدتي كقوة موازية كان أحد أسباب انفجار الحرب أساساً.
قطر.. الدبلوماسية الناعمة والإعلام كسلاح
النفوذ عبر “الجيوب السياسية”:
اعتمدت الدوحة على استراتيجية مختلفة، تركز على بناء شبكات نفوذ عبر الدعم السياسي والإعلامي للقوى الإسلامية والمدنية، مستغلة علاقتها التاريخية مع الإخوان المسلمين في السودان.
أدوار الدوحة في الصراع:
الدعم الإعلامي: استخدمت قطر شبكتها الإعلامية (الجزيرة وغيرها) لتشكيل الرأي العام العالمي والعربي لصالح أطراف محددة، ونشر سرديات تخدم نفوذها.
الملاذ السياسي: وفرت الدوحة ملاذاً للعديد من القيادات السودانية، سواء من النظام القديم أو من القوى المدنية، مما جعلها طرفاً مؤثراً في المعادلة الداخلية.
الدعم المالي الخفي: تشير تقارير إلى تدفق أموال قطرية لدعم شبكات سياسية وإعلامية داخل السودان لضمان بقاء النفوذ القطري حتى في أحلك لحظات الحرب.
التناقض القطري: بينما تدعي الدوحة دعمها للديمقراطية والمدنية، فإن تحالفاتها مع الإسلاميين وسياساتها الإقليمية غالباً ما تساهم في تعقيد المشهد وزعزعة الاستقرار.
الحرب الاقتصادية.. عندما يصبح الجوع سلاحاً
لم تكتفِ الدول الثلاث بالتدخل العسكري والسياسي، بل استخدمت “الاقتصاد” كأداة حرب:
السعودية ومصر: استخدمتا الدعم المالي والودائع البنكية كأداة ضغط على المجلس العسكري لضمان الولاء السياسي.
تركيا وقطر: حاولتا اختراق هذا الحصار عبر دعم شبكات اقتصادية بديلة واستثمارات في قطاعات حيوية.
النتيجة: تحول الاقتصاد السوداني إلى ساحة معركة، حيث تتصارع العملات والودائع والاستثمارات، بينما يموت السودانيون جوعاً وتدمر البنية التحتية.
إن النظر إلى التدخلات التركية والسعودية والقطرية في السودان بعمق يكشف حقيقة مروعة: السودان لم يعد دولة ذات سيادة، بل أصبح “دولة مستعمرة” تتصارع عليها قوى إقليمية تبحث عن:
موانئ وقواعد عسكرية على البحر الأحمر (تركيا، السعودية).
أراضي زراعية للأمن الغذائي (السعودية، دول خليجية).
نفوذ أيديولوجي عبر الإسلام السياسي أو محاربته (تركيا، قطر vs السعودية).
في عام 2026، ومع استمرار الحرب، يتضح أن “السيادة السودانية” هي الضحية الكبرى. فالشعب السوداني لا يقتل فقط برصاص الدعم السريع أو الجيش، بل يقتل أيضاً بقرارات تتخذ في أنقرة والرياض والدوحة، حيث تُباع وتُشترى دماء السودانيين مقابل مصالح جيوسياسية عابرة.
السؤال الذي يفرض نفسه: متى يدرك السودانيون أن حل أزمتهم لن يأتي من عواصم المحيط الإقليمي، بل يجب أن ينبع من إرادة سودانية خالصة ترفض الوصاية التركية، والهيمنة السعودية، والنفوذ القطري؟




