السودان.. الأمة القومي يتهم قوات بورتسودان بعرقلة الهدنة
قال مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق، إن تمسك قوات بورتسودان بشرط انسحاب قوات الدعم السريع من مناطق سيطرتها قبل بدء الهدنة، ليس مجرد مطلب تفاوضي مرتبط بترتيبات وقف إطلاق النار، بل محاولة من قبل قوات بورتسودان لإعادة رسم خريطة النفوذ قبل تجميد العمليات العسكرية.
وأضاف الصادق أن الإدارة الأمريكية قرأت هذا الشرط باعتباره محاولة لتغيير نتائج الحرب قبل التفاوض، لذلك تتمسك بهدنة الـ90 يوماً دون شروط مسبقة، باعتبارها مدخلاً لوقف القتال، ثم الانتقال إلى تسوية سياسية تعيد تشكيل مستقبل الحكم في السودان.
وأشار إلى أن الخلاف بين واشنطن وبورتسودان يتعلق بمن يحدد قواعد المرحلة المقبلة؛ إذ تريد الأخيرة تحسين موقعها العسكري قبل أي تسوية، في حين تدفع واشنطن نحو وقف الحرب ورفض شرط بورتسودان.
وفي ما يلي نص الحوار:
ماذا يعني اشتراط قوات بورتسودان انسحاب قوات الدعم السريع من مناطق سيطرتها قبل بدء الهدنة؟
المقترح الأمريكي يبدأ بهدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، تليها مفاوضات لوقف دائم لإطلاق النار وانتقال بقيادة مدنية، ويتضمن انسحابات محددة تخضع للمراقبة، بينما طالبت قوات بورتسودان بانسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو أيار 2023 قبل الهدنة.
الانسحاب الشامل قبل وقف النار مسعى لإعادة تشكيل ميزان السيطرة، فقوات الدعم السريع ستفقد مساحة واسعة من أوراقها الميدانية أولاً، ثم تبدأ الهدنة والمفاوضات بعد أن تكون الخريطة أكثر ملاءمة لقوات بورتسودان، ولهذا يصعب التعامل مع الشرط باعتباره تفصيلاً فنياً داخل اتفاق وقف النار، فهو ينقل واحدة من أهم نتائج التسوية العسكرية إلى المرحلة السابقة عليها.
أما إذا اقترن التشدد التفاوضي بتحشيد واسع، وتصعيد في كردفان ودارفور، ومحاولات لقطع الإمداد وتغيير خطوط السيطرة، فسيرتفع وزن فرضية استخدام الزمن الدبلوماسي لتحسين الموقع العسكري.
كيف يُفسَّر موقف واشنطن من شرط الانسحاب؟
تمسكت واشنطن بهدنة التسعين يوماً كنقطة بداية، وطالبت بقبول الخطة دون شروط مسبقة، ولم تعتمد طلب بورتسودان.
وتصاعد الضغط الأمريكي بعد استمرار الخلاف، فقد امتنعت واشنطن عن منح البرهان تأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة بسبب عدم قبوله خطة وقف النار، وألغيت على أثر ذلك ترتيبات لقاء كان متوقعاً.
قبول الانسحاب الشامل شرطاً سابقاً كان سيحوّل الوساطة من أداة لتجميد الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل ميزانها قبل التجميد، وهذا يتعارض مع الخطة الأمريكية التي تريد وقف القدرة على إنتاج وقائع عسكرية جديدة، ثم إخضاع نتائج الحرب للتفاوض.
كما أن قوات بورتسودان تضم قوى وحركات وتيارات إسلامية وعناصر من النظام السابق استثمرت سياسياً وعسكرياً في خطاب “الحسم”، وانتقال البرهان من هذا الخطاب إلى هدنة تحفظ للدعم السريع مساحة واسعة من السيطرة قد يفتح صراعاً داخليا، ويقوم علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، ومسؤولون من النظام السابق، بعرقلة جهود وقف النار، وحشد قوات لاستمرار القتال، ومعارضة الانتقال المدني.
لماذا تريد قوات بورتسودان تغيير الخريطة أولاً، بينما تريد واشنطن وقف القتال ثم العودة إلى التفاوض والحكم المدني؟
بالنسبة لقوات بورتسودان، الأرض تساوي أكثر من الجغرافيا، ووقف الحرب بينما تحتفظ قوات الدعم السريع بمساحات كبيرة، يُقرأ في بورتسودان باعتباره خطراً.
كل مدينة تستعيدها قوات بورتسودان، وكل طريق إمداد تقطعه، يمكن أن يغير شروط التفاوض اللاحق، ومن هنا تأتي الرغبة في تعديل الخريطة قبل الهدنة من زاوية عسكرية؛ لأنها تمنح بورتسودان موقعاً تفاوضياً أقوى.
في المقابل، تنطلق واشنطن من مقاربة مختلفة، فهي تريد قطع العلاقة بين السيطرة العسكرية والشرعية السياسية، وهذا يفسر البعد السياسي للخلاف، فهدنة التسعين يوماً عند واشنطن بوابة لوقف دائم لإطلاق النار وإعادة العملية السياسية إلى مسار مدني، ولذلك فإن النزاع على الهدنة هو نزاع على من يحدد شروط السودان الذي سيأتي بعدها.
وبالتالي، فإن واشنطن وقوات بورتسودان تختلفان على ترتيب الزمن السياسي والعسكري أكثر من مبدأ الانسحاب نفسه؛ بورتسودان تريد تعديل ميزان الحرب ثم تجميده، وواشنطن تريد تجميد الحرب ثم تعديل نتائجها بالتفاوض.
المسألة أصبحت اختباراً لما إذا كان قرار وقف الحرب سيظل رهينة الحصول على مكاسب ميدانية إضافية، أو سينتقل إلى مسار تفرض فيه الهدنة وقف إنتاج الوقائع العسكرية أولاً، ثم يعود الصراع إلى السياسة.
وفي هذه النقطة تحديداً تريد واشنطن تغيير المعادلة: من يملك السلاح يستطيع القتال، لكنه لا يكتسب من القتال وحده حق تقرير شكل الدولة التي تأتي بعده.




