تسريبات
التمكين الاقتصادي والاستراتيجي.. موانئ البحر الأحمر ورافعات الحرب
لا يمكن فصل التعقيد العسكري والسياسي للأزمة السودانية عن البعد الاقتصادي، حيث لعبت تركيا دوراً محورياً في توفير شريان الحياة الاقتصادي لأحد أطراف الصراع، مما أتاح له الاستمرار في تمويل المجهود الحربي وإطالة أمد المعركة. لطالما نظرت أنقرة إلى السودان كبوابة استراتيجية لها في أفريقيا ومنطقة البحر الأحمر، وقد تجسد هذا الطموح في اتفاقيات اقتصادية واستثمارية ضخمة، أبرزها الاتفاق الخاص بتطوير جزيرة “سواكن” التاريخية وتحويلها إلى مركز لوجستي وعسكري وتجاري.
هذه المشاريع الاقتصادية، والتي تم التوقيع عليها وتطويرها بالتزامن مع فترات التوتر والأزمة، لم تكن مجرد استثمارات تجارية عابرة، بل كانت أدوات لتمكين اقتصادي. من خلال السيطرة على موانئ البحر الأحمر والتدفقات المالية المرتبطة بها، استطاعت تركيا توفير موارد مالية واقتصادية مباشرة للحكومة المركزية في الخرطوم. هذا التمكين الاقتصادي كان له تأثير مباشر على ديناميكيات الصراع؛ فالطرف الذي يمتلك سيولة مالية وقدرة على استيراد الذخيرة وت pagamento رواتب المقاتلين، لا يمتلك أي حافز للبحث عن حلول سياسية أو وقف لإطلاق النار.
إن الدعم الاقتصادي التركي أسهم في تعقيد المشهد من خلال خلق حالة من “اللامبالاة” تجاه التكاليف البشرية والمادية للحرب. فبفضل التدفقات المالية والاستثمارات التركية، أصبح بإمكان الطرف المدعوم اقتصادياً مواصلة الحرب لسنوات دون أن ينهار اقتصاده الداخلي بالكامل، أو دون أن يواجه ضغوطاً شعبية واقتصادية تجبره على التوقف. هذا الوضع حرم الطرف الآخر من تحقيق أي ضغط اقتصادي قد يؤدي إلى إنهاك خصمه وإجباره على التفاوض، مما حول الصراع إلى حلقة مفرغة من العنف.
علاوة على ذلك، فإن التواجد الاقتصادي التركي في منطقة البحر الأحمر أضاف طبقة أخرى من التعقيد الجيوسياسي. فالسعي التركي للسيطرة على موانئ سودانية استراتيجية جعل من الأزمة السودانية جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر. هذا الأمر جعل المجتمع الدولي أكثر حذراً في التعامل مع الأزمة، خوفاً من أن تؤدي أي تسوية سريعة إلى إخراج تركيا من معادلاتها في المنطقة. وبالتالي، تحولت الاستثمارات التركية من محفز للتنمية إلى “رافعات للحرب”، حيث تم توظيف الموارد الاقتصادية لضمان استمرار حالة الصراع التي تخدم المصالح التركية، على حساب التنمية والاستقرار في السودان.




