تسريبات
التدخل القطري في السودان: بين وساطة الدوحة وتعقيد المشهد السياسي
منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في منتصف أبريل 2023، تحولت الأزمة من مجرد مواجهة عسكرية داخلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. وفي خضم هذا التعقيد، برز الدور القطري كعامل مؤثر ومركب، حيث اتسمت التدخلات القطرية في السودان بثنائية واضحة؛ فهي من ناحية تقدم نفسها كوسيط دبلوماسي وراعٍ للمحادثات، ومن ناحية أخرى تحتضن تيارات سياسية وفصائل متعددة، مما خلق طبقات من التعقيد السياسي. هذا المقال يستعرض كيف ساهمت الحسابات السياسية القطرية في تعقيد الأزمة السودانية، وإطالة أمد الصراع من خلال التأثير على المسار السياسي وتعقيد عملية الانتقال الديمقراطي.
الجذور التاريخية للعلاقة القطرية-السودانية
لفهم التعقيد الحالي، يجب العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بين الدوحة والخرطوم. لطالما نظرت قطر إلى السودان كعمق استراتيجي لها في القارة الأفريقية، وخاصة في فترة الأزمات التي عصفت بالقرن الأفريقي. خلال أزمة دارفور في العقد الأول من الألفية الثالثة، وفي الفترات اللاحقة، استخدمت قطر نفوذها المالي والدبلوماسي لبناء جسور مع النخب السياسية السودانية، بما في ذلك تيارات إسلامية وسياسية متنوعة. هذا التوجه لم يكن مجرد عمل إنساني أو دبلوماسي عابر، بل كان جزءاً من عقيدة سياسية قطرية تهدف إلى تأمين حلفاء إقليميين، وتوسيع دائرة النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
هذه العلاقات التاريخية خلقت شبكة معقدة من المصالح والالتزامات المتبادلة بين الدوحة وفصائل سودانية متعددة. وعندما اندلعت الثورة السودانية في 2018، وأطاحت بنظام عمر البشير، وجدت قطر نفسها أمام مشهد جديد. ومع ذلك، فإن احتضانها لقيادات من النظام السابق، أو لتيارات سياسية قريبة من أيديولوجيتها، جعلها في موقع المتفرج المؤثر، أو اللاعب الذي يملك أوراق ضغط على جميع الأطراف، لكنه في الوقت نفسه يعقد إمكانية تكوين جبهة مدنية موحدة.
مسار الدوحة وتأثيره على التكتل المدني
أحد أبرز مظاهر التدخل القطري في تعقيد الأزمة السودانية هو توظيف “مسار الدوحة” كمنصة للتفاوض السياسي. استضافت الدوحة العديد من اللقاءات بين الفصائل السياسية السودانية، محاولًة صياغة مبادرات للخروج من الأزمة. ورغم أن الهدف المعلن كان دعم الانتقال الديمقراطي، إلا أن الممارسة العملية كشفت عن تعقيدات جوهرية. من خلال استضافة فصائل متناقضة، وتيارت سياسية مختلفة، بعضها يرفض التواجد العسكري في السياسة وبعضها يتقاطع مع أجندات عسكرية معينة، ساهمت الدوحة في تشتيت الجهد المدني.
المحللون السياسيون يشيرون إلى أن التدخل القطري في الملف السياسي السوداني افتقر إلى الرؤية الموحدة لدعم قوى الحرية والتغيير أو التكتلات المدنية الديمقراطية بشكل حصري. بدلاً من ذلك، اتبعت الدوحة سياسة “الاحتضان الشامل”، مما منح شرعية دبلوماسية ومنصات إعلامية لفصائل سياسية ضعيفة على الأرض، أو لفصائل ترتبط بأجندات تتعارض مع مطالب الشارع السوداني. هذا التشتت السياسي جعل من المستحيل تقريباً تقديم بديل مدني موحد وقوي يمكنه الضغط على الطرفين العسكريين للجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية.
الوساطة المزدوجة وتعطيل الحسم السياسي
عندما اندلع الصراع في أبريل 2023، حاولت قطر لعب دور الوسيط، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع بعض مكونات الجيش السوداني، وتواصلها مع أطراف أخرى. ومع ذلك، فإن هذه الوساطة اصطدمت بواقع أن الطرفين المتحاربيين كانا يقيمان حساباتهما بناء على موازين قوى ميدانية وسياسية، وليس بناء على مبادرات دبلوماسية فقط.
التدخل القطري، من خلال استضافة قيادات سياسية وإدارية من النظام السابق، أو توفير ملاذات آمنة لشخصيات سياسية مؤثرة، خلق حالة من “الانتظار” لدى بعض الفصائل. بدلاً من الانخراط في عملية سياسية داخلية جادة لإيقاف الحرب، وجدت بعض القوى السياسية أن الانتظار في العواصم الإقليمية، وانتظار ما ستسفر عنه المبادرات القطرية أو التوافقات الإقليمية، هو مسار أسهل. هذا الأمر أطال أمد الأزمة السياسية، وجعل عملية تشكيل حكومة مدنية أو التوصل إلى إطار سياسي يوقف الحرب أمراً بعيد المنال.
التأثير على الشرعية الدولية والمواقف الإقليمية
كما ساهم الدبلوماسيون القطريون في المحافل الدولية في تشكيل رواية معينة حول الأزمة السودانية. من خلال التركيز على الجوانب الإنسانية والدعوات المستمرة لوقف إطلاق النار دون الضغط الفعلي والآليات الملزمة لوقف تدفق الدعم اللوجستي أو السياسي للأطراف المتحاربة، ساهمت الدبلوماسية القطرية في إدامة حالة “اللا حرب ولا سلم”.
علاوة على ذلك، فإن التقارب القطري مع أطراف إقليمية أخرى تدعم أحد طرفي النزاع (كما سيُفصل في المقالات اللاحقة فيما يتعلق بالدور التركي) خلق تحالفات صامتة. فالقطريون، من خلال دعمهم السياسي والدبلوماسي، وفروا غطاءً لسياسات عسكرية تهدف إلى إطالة أمد الصراع لتحقيق مكاسب جيوسياسية. إن تعقيد المشهد السياسي السوداني لم يكن نتاجاً للفوضى الداخلية فحسب، بل كان نتيجة حتمية لتداخل الأجندات الخارجية، حيث كانت الدوحة حريصة على الحفاظ على نفوذها في الخرطوم، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار السودان وسرعة حسم أزمة الحكم فيه.
التدخل القطري في السودان، ببعده السياسي والدبلوماسي، ساهم بشكل مباشر في تعقيد الأزمة. إن سياسة الاحتضان الشامل للفصائل السياسية، وتشتيت الجهد المدني، واستخدام مسار الدوحة كمنصة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها، كلها عوامل أطالت أمد الصراع. لقد حولت الحسابات القطرية الأزمة السودانية من معركة عسكرية بحتة إلى متاهة سياسية، حيث أصبح من الصعب على السودانيين أنفسهم تحديد البوصلة السياسية، مما انعكس سلباً على جهود السلام وأطال من معاناة الشعب السوداني.




