البرهان يفخخ فرص السلام.. وتحركات تصب في خدمة مخططات الإخوان
جدل كبير في السودان أثاره تقرير عن شروط قيادة الجيش السوداني للقبول بالمقترح الأمريكي الهادف إلى إرساء “هدنة” لمدة 90 يوماً.
وحوى المقترح الأمريكي بجانب إقرار هدنة الـ90 يوماً، دعوة واضحة وصريحة لإطلاق عملية سياسية تقود إلى حكومة مدنية، على ألا تشمل العملية السياسية أي واجهة من واجهات الحركة الإسلامية؛ الذراع السياسية لتنظيم الإخوان في السودان.
وكانت وثائق اطلعت عليها وكالة رويترز، كشفت أن الجيش السوداني اشترط انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي تسيطر عليها، كشرط أساسي للموافقة على مبادرة أمريكية تستهدف إنهاء الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات.
واعتبر سياسيون ومراقبون في السودان أن اشتراطات الجيش السوداني التي كشفت عنها رويترز، تكشف في جوهرها عن نهج درج عليه قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، في التهرب من أي مبادرات سلام تبتغي إنهاء الحرب، دون أن تقدم ضمانات للبرهان بالبقاء على سدة الحكم.
وأكد المراقبون، خلال حديثهم، أن البرهان يقوم بتنفيذ ما يخطط له تنظيم الإخوان في السودان، بالاستمرار في الحرب، لضمان البقاء في المشهد السوداني، دون أن يطالهم سيف “التفكيك” لبنيتهم الاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية، ومطرقة المحاسبة على جرائمهم وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان.
تفاصيل الوثائق
وبحسب الوثائق التي كشفت عنها رويترز، وأكد مسؤولون كبار صحتها، فإن المقترح الأمريكي الذي طُرح الشهر الماضي، يتضمن هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، على أن تفتح الطريق أمام مفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده حكومة مدنية وصولاً إلى إجراء انتخابات.
وأظهرت الوثائق، أن الحكومة السودانية أبدت موافقة على معظم بنود المبادرة، لكنها رفضت ما ورد بشأن انسحاب جزئي لقوات الدعم السريع، مؤكدة أن أي اتفاق يجب أن ينص على خروج هذه القوات من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ 11 مايو/أيار 2023.
القيادي بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة السودانية، خالد عمر يوسف إن تقرير “رويترز” كشف عن حقائق أساسية أهمها أن “ما ظل يردده قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان وموالوه برفضهم الكلي للتفاوض غير صحيح، فهم منخرطون في تفاوض عبر وساطة أمريكية، وسط سرية مطلقة وعبر دائرة صغيرة للغاية”.
وأضاف أن تقرير “رويترز” أشار إلى مطالبة الجيش بضرورة انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المناطق التي سيطرت عليها منذ 11 مايو/أيار 2023، وأثبت بشكل مباشر عدم جدية البرهان في وقف الحرب، ورغبته في إطالة أمد النزاع خدمة لأجندة ذاتية لا تضع اعتباراً لمصير البلاد ومعاناة أهلها.
وبحسب يوسف، فإن البرهان، “تحركه رغبته في حكم السودان قسراً وبأي شكل من الأشكال، وهو الأمر الثابت الوحيد في كل تحركاته ومناوراته”. مضيفاً أن “معيار الاتفاق المرضي لدى البرهان، هو البحث عن أي اتفاق يسمح بتنصيبه رئيساً مطلقاً للبلاد”.
وعدّد يوسف المحطات التاريخية التي تُثبت أن البرهان ظل يسعى طوال السبعة أعوام الماضية للانفراد برئاسة السودان، وقال: “في سبيل تحقيق هذه الغاية، شارك البرهان في فض اعتصام القيادة العامة، ثم انحنى لعاصفة الشارع الثائر ووقع الاتفاق الذي قاد للوثيقة الدستورية، ومن ثم قاد انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 بمجرد اقتراب انتهاء أجل دورته في رئاسة المجلس السيادي، وتراجع مرة ثانية أمام رفض الشعب السوداني للانقلاب”.
وأضاف: “كما وقع البرهان على الاتفاق الإطاري، ومن ثم فتح الطريق لحلفائه في الحركة الإسلامية الإرهابية للانقلاب عليه بإشعال حرب 15 أبريل/نيسان 2023، ومنذ ذلك الوقت ظل يراوغ ويرفض مبادرات السلام المختلفة، ويعمل من أجل هدف واحد فقط هو التشبث بكرسي السلطة، سلماً أو حرباً”.
“الرباعية وتهرب البرهان”
يوسف ربط بين تهرب البرهان من أي استحقاقات سلام تجتهد فيه الأطراف الدولية والإقليمية، وما حوته خارطة طريق دول الرباعية على وجه التحديد، باعتبارها المبادرة الدولية الأكثر تعبيراً عن تطلعات الشعب السوداني في الحكم المدني والديمقراطية والسلام.
وأوضح أن “خارطة طريق الرباعية التي صدرت في سبتمبر/أيلول 2025، مثلت متغيراً مهماً في مسار عملية السلام، حيث حوت جدولاً زمنياً واضحاً، ومبادئ عبرت عن آمال وطموحات غالب أهل السودان، في السلام واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي وعدم مكافأة الحركة الإسلامية الإرهابية على جرائمها في حق الشعب السوداني”.
وأضاف: “كما رافق هذه الخارطة ضغوطا حقيقية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لذا فقد انتبه البرهان لخطورة هذه الضغوطات، وانخرط في لعبة إضاعة الزمن وشراء الوقت، أملاً في حدوث متغيرات تهب رياحها في اتجاه تحقيق غاياته السلطوية”.
وأشار يوسف إلى خطورة منهج البرهان، مضيفا أن الأخير “لا يعبأ بالتعقيدات التي ينتجها جراء رغبته في التشبث بالسلطة”.
البرهان وأجندة الإخوان
من جهته، يرى المحلل السياسي والكاتب الصحفي المختص في شؤون الجماعات الإسلامية المتطرفة في السودان، مصطفى سري، أن البرهان، ومنذ صعوده في المشهد السياسي السوداني بعد سقوط حكم الرئيس السابق عمر البشير في أبريل/نيسان ٢٠١٩، ظل يمتهن اللعب على حبال التناقضات التي تفرزها المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، بغرض البقاء على كرسي الرئاسة، مهما كانت الكُلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وقال سري إنه “من بعد حرب أبريل/نيسان ٢٠٢٣ في السودان، دأب البرهان على الاستثمار في التباينات حول الموقف من إنهاء الحرب بين بعض الدول والمؤسسات الدولية والإقليمية، وكذلك بين القوى السياسية المدنية في السودان”. معتبراً أن البرهان لا ينظر إلا لمعادلة تُبقيه في المشهد السوداني حتى بعد انتهاء الحرب”.
وفيما يتعلق بما كشفه تقرير “رويترز” حول اشتراطات قيادة الجيش السوداني للقبول بالمقترح الأمريكي. اعتبر سري أن الاشتراط بانسحاب كلي لقوات الدعم السريع، يكشف عن محاولات للبرهان للتنصل عن أي التزامات تتعلق بالمسار الدولي لسلام السودان.
وأوضح سري، أن “البرهان هو المهندس الأول لتنفيذ مخططات الأمين العام للحركة الإسلامية الإخوانية، علي كرتي”، مشيراً إلى أن خطة “كرتي” تقوم على محاولات كسب الوقت و”مراوغة” المجتمع الدولي، أملاً في حدوث متغيرات كبرى على الأرض فيما يتصل بخارطة السيطرة العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع”.
وأضاف أن “الحركة الإسلامية لا ترغب في السلام في السودان، خوفاً من أن أي تحول مدني ديمقراطي، سوف يتبعه إجراءات حتمية تتعلق بالعدالة والمحاسبة على جرائم الإخوان وانتهاكاتها لحقوق الإنسان في السودان، فضلاً عن سيف التفكيك الذي يطارد بنيتهم الاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية”.




