الأدلة الجديدة تعيد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان إلى الواجهة
عاد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع الأخيرة، بعد ظهور معطيات وتحقيقات جديدة تتحدث عن احتمال استخدام القوات المسلحة السودانية مواد كيميائية سامة خلال الحرب المستمرة في البلاد منذ أبريل 2023. وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة لأنها لم تعد تستند فقط إلى روايات متداولة أو شهادات منفردة، بل أصبحت مرتبطة بملفات ووثائق وصور ومقاطع فيديو ورسائل إلكترونية وهاتفية، إلى جانب تحقيقات أجراها صحفيون وخبراء ومسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في أبريل 2025 أنها خلصت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، قبل أن تفرض واشنطن عقوبات على السودان بسبب هذه الاتهامات. وفي يونيو 2026 قررت الولايات المتحدة فرض إجراءات إضافية، دخلت حيز التنفيذ في يوليو، بعدما قالت إن السودان لم يستوف الشروط المطلوبة لرفع الإجراءات السابقة. وتشمل العقوبات الجديدة قيودا على النقل الجوي المرتبط بالحكومة السودانية، في خطوة تعكس استمرار واشنطن في التعامل مع الاتهامات باعتبارها قضية تتطلب إجراءات دولية.
وتعود جذور القضية إلى أحداث وقعت في عام 2024، ولا سيما في مناطق شمال الخرطوم، حيث كانت منشآت حيوية مثل مصفاة الجيلي للنفط وقاعدة الجيلي العسكرية مسرحا لمعارك عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وسبق أن نشرت وحدة التحقيقات الرقمية في فرانس 24 نتائج قالت إنها تشير إلى استخدام محتمل للكلور كسلاح في هجمات وقعت في سبتمبر 2024.
واعتمد التحقيق على تحديد المواقع الجغرافية لمقاطع فيديو وصور، إضافة إلى شهادات شهود وتحليل لمواد ظهرت في مواقع الهجمات. وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في أكتوبر 2025 إن تحقيق فرانس 24 قدم عناصر عامة تدعم الاتهامات الأميركية السابقة، مشيرة إلى صور لحاويات مرتبطة بالكلور وظهور سحابة صفراء مائلة إلى الأخضر في أحد المقاطع التي جرى تحديد موقعها.
لكن التطور الأبرز خلال سبتمبر 2026 جاء مع نشر تقارير صحفية عن ملف جديد يضم عددا كبيرا من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل، قالت مصادر أمنية من الشرق الأوسط إنها حصلت عليها وقدمتها إلى وسائل إعلام دولية. وذكرت تقارير واشنطن بوست ونيويورك تايمز أن المواد تتضمن مؤشرات على وجود برنامج سري لإنتاج وتخزين ذخائر كيميائية داخل السودان.
وبحسب واشنطن بوست، تتضمن المواد التي جرى فحصها مخططات لذخائر، ومقاطع لاختبارات في مناطق صحراوية، ورسائل بين أشخاص يعتقد أنهم مسؤولون عسكريون سودانيون، إضافة إلى صور تشير إلى عمليات مرتبطة بتعبئة ذخائر بالكلور. كما تحدثت الوثائق عن تخزين كميات من الذخائر الكيميائية، لكن الصحيفة أكدت أن تقييم هذه المواد لا يعني أن كل تفاصيلها ثبتت بشكل نهائي، وأن الوصول إلى المواقع والأشخاص المعنيين يبقى ضروريا للوصول إلى حكم قاطع.
وتكتسب مسألة الكلور أهمية خاصة لأن المادة تستخدم بصورة مشروعة في معالجة المياه والصناعة، لكن تحويلها إلى وسيلة لإيذاء البشر يجعل استخدامها في الهجمات العسكرية خاضعا لقواعد حظر الأسلحة الكيميائية. وتؤكد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية تحظر استخدام هذه الأسلحة، بينما يمثل التحقيق في أي ادعاء متعلق بها مسألة شديدة الحساسية بسبب الحاجة إلى جمع العينات والأدلة وفق معايير علمية وقانونية دقيقة.
وتشير المعطيات الجديدة إلى أن الاتهامات لا تتعلق فقط بحوادث استخدام مزعومة، بل بوجود احتمال لبرنامج أكثر تنظيما. فقد تحدثت التقارير التي ظهرت في سبتمبر عن تصنيع ذخائر واختبارها ومحاولات لإخفاء آثار البرنامج. ووفقا للمواد التي راجعتها واشنطن بوست، تضمنت إحدى الوثائق تصميما لذخيرة تجمع بين المتفجرات والغاز، بينما أشارت رسائل أخرى إلى عمليات تجميع وتخزين.
غير أن هذه المعلومات تواجه تحديا أساسيا يتمثل في غياب تحقيق دولي ميداني مكتمل يسمح بالوصول إلى المواقع وفحص الأدلة بصورة مباشرة. وهذا تحديدا ما يجعل الدعوات إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للتحرك أكثر إلحاحا.
وفي سبتمبر 2026، كشف تحقيق اطلعت عليه يورونيوز أن مجموعة من المسؤولين السابقين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أجرت تحقيقا استند إلى شهادات ثمانية سودانيين جرى الاستماع إليهم في نيروبي، إضافة إلى صور ومقاطع فيديو ومواد رقمية. وخلص الفريق إلى وجود وقائع وصفها بأنها ذات مؤشرات موثوقة على تعرض أشخاص لمواد كيميائية خلال عمليات عسكرية، مع التأكيد على عدم القدرة على تحديد المادة بشكل نهائي أو إثبات استخدامها كسلاح كيميائي دون تحقيق ميداني أوسع.
ومن بين الوقائع التي حظيت باهتمام خاص حادثة في مصفاة الجيلي خلال سبتمبر 2024، حيث تحدث شاهدان، بصورة مستقلة، عن تحليق طائرة عسكرية قبل ظهور أجسام تشبه البراميل، أعقبها انتشار روائح غير معتادة وأعراض تنفسية حادة لدى عدد من العمال. كما تحدثت الشهادات عن تهيج العينين وتغيرات في النباتات القريبة من موقع الانفجار.
ولا تكفي هذه الأعراض وحدها لإثبات استخدام سلاح كيميائي، إذ يمكن أن تكون بعض المواد الصناعية مصدرا لأبخرة سامة في ظروف الحرب. ولهذا فإن الفرق بين التسرب العرضي والاستخدام المتعمد كسلاح يمثل جوهر التحقيق المنتظر.
وتنفي السلطات السودانية بصورة قاطعة استخدام الجيش للأسلحة الكيميائية. وخلال نقاشات دولية، قالت الحكومة السودانية إن الكلور الموجود في البلاد مخصص لأغراض صناعية ومعالجة المياه، وإن أي سحب أو انبعاثات ظهرت في بعض المناطق يمكن أن تكون نتيجة استهداف منشآت تحتوي على مواد كيميائية. كما اتهمت الخرطوم جهات معادية لها بتقديم معلومات غير موثوقة بهدف الضغط على الجيش السوداني.
وتؤكد الحكومة السودانية كذلك أنها ملتزمة باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وأنها شكلت لجنة وطنية للتحقيق في الاتهامات الأميركية. ووفقا لما نقلته Arms Control Association، خلص تقرير مرحلي للجنة السودانية إلى أنها لم تجد أدلة مادية أو تقنية أو وثائقية تثبت الاتهامات في المواقع التي فحصتها. في المقابل، قالت الولايات المتحدة إن التحقيقات المحلية لا يمكن أن تحل محل التحقق المستقل من جانب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وهنا تبرز إحدى أهم نقاط الخلاف في الملف: الخرطوم تريد أن تكون عملية التحقق مبنية على إجراءات يمكنها المشاركة فيها، بينما تطالب واشنطن وآخرون بتحقيق دولي مستقل لا يخضع للمؤسسات التابعة لأحد طرفي الحرب.
وفي سبتمبر 2026، دعا خبراء وناشطون في مجال حقوق الإنسان خلال مؤتمر في جنيف إلى إرسال بعثة تحقيق مستقلة من الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى السودان. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الاتهامات بشأن استخدام مواد كيميائية في الحرب، الأمر الذي جعل الملف ينتقل من مجرد اتهام سياسي إلى قضية ترتبط مباشرة بآليات القانون الدولي.
وتزداد أهمية هذه المطالب مع استمرار الحرب واتساع نطاق الانتهاكات المنسوبة إلى طرفي النزاع. فالسودان يعيش واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، مع ملايين النازحين وملايين الأشخاص الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. وفي هذا السياق، فإن إثبات استخدام الأسلحة الكيميائية، إذا تأكد، لن يكون مجرد تفصيل إضافي في سجل الانتهاكات، بل سيشكل تطورا خطيرا له تبعات قانونية وسياسية واسعة.
كما أن إثبات وجود برنامج لتصنيع الأسلحة الكيميائية، إذا أثبتته تحقيقات مستقلة، سيطرح أسئلة مختلفة عن مجرد وقوع حادثة منفردة. وسيكون على الجهات الدولية تحديد كيفية الحصول على المواد، ومن أصدر الأوامر، ومن شارك في التصنيع أو النقل أو التخزين، وما إذا كانت هذه العمليات تمت بعلم مستويات قيادية عليا.
وفي المقابل، فإن عدم وجود تحقيق ميداني مستقل حتى الآن يعني ضرورة التعامل بحذر مع كل معلومة جديدة. فالصور ومقاطع الفيديو والرسائل يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة، لكنها تحتاج إلى التحقق من مصدرها وسياقها وتاريخها وموقعها، كما تحتاج العينات الكيميائية إلى سلسلة حفظ واضحة وفحوص مخبرية متخصصة.
ولهذا فإن السؤال الرئيسي في المرحلة المقبلة لم يعد فقط: هل استخدمت مواد كيميائية في الحرب السودانية؟ بل أصبح أيضا: هل يمكن للمجتمع الدولي الوصول إلى الأدلة التي تسمح بتحديد المادة المستخدمة، وطريقة استخدامها، والجهة التي أمرت بها ونفذتها؟
ومع دخول القضية عامها الثالث من الحرب، يبدو أن ملف الأسلحة الكيميائية مرشح لأن يصبح أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السوداني. فالولايات المتحدة واصلت فرض العقوبات، وتقارير صحفية دولية كشفت مواد جديدة، وخبراء سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية دعوا إلى تحقيق، بينما تستمر الحكومة السودانية في نفي الاتهامات.
وبين الرواية الرسمية والملفات المسربة وشهادات الناجين، تبقى الكلمة الفصل للتحقيق الدولي المستقل. فإذا أثبتت الأدلة استخدام أسلحة كيميائية عمدا، فقد يتحول الملف إلى مسار جديد من المساءلة الدولية. وإذا أثبت التحقيق أن الوقائع كانت نتيجة تسربات صناعية أو حوادث مرتبطة بالقصف، فإن ذلك سيكون أيضا مهما لإغلاق باب الاتهامات المبنية على أدلة غير كافية.
المؤكد أن التطورات الأخيرة جعلت القضية أكثر جدية من أي وقت مضى. فبعد أن بدأت باتهامات أميركية عام 2025، وصلت في 2026 إلى مرحلة ظهور ملفات جديدة تتحدث عن تصنيع وتخزين واختبار ذخائر كيميائية، بالتزامن مع مطالب دولية متزايدة بتحقيق مستقل. وبينما تنفي الخرطوم استخدام الجيش لهذه الأسلحة، يظل التحقق الميداني هو الطريق الوحيد لحسم واحدة من أخطر القضايا التي ظهرت خلال الحرب السودانية.




