واشنطن تضغط على مجلس الأمن لوقف تدفق السلاح إلى السودان
تدخل الولايات المتحدة ملف الحرب في السودان من بوابة مجلس الأمن، في محاولة لتحويل قضية تدفق السلاح إلى محور أساسي في الجهود الدولية الرامية إلى وقف القتال. فواشنطن لا ترى أن استمرار الحرب مرتبط فقط بقرارات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على الأرض، وإنما أيضاً بقدرة الطرفين على الحصول على الأسلحة والتمويل والتكنولوجيا والمقاتلين من خارج البلاد.
وفي هذا السياق، يدفع سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، وكبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، باتجاه دعم مشروع قرار أمريكي يقضي بتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ عام 2005 ليشمل كامل السودان.
ويعكس هذا التحرك محاولة لإعادة صياغة التعاطي الدولي مع الحرب. فبدلاً من التعامل معها باعتبارها نزاعاً سودانياً مغلقاً، تريد واشنطن وضع شبكات التسليح والتمويل والدعم الخارجي في قلب النقاش داخل مجلس الأمن.
وتدرك الإدارة الأمريكية أن قراراً دولياً وحده لن ينهي الحرب، لكنها تراهن على أن فرض قيود شاملة على مصادر السلاح يمكن أن يغيّر حسابات الأطراف، ويحد من قدرتها على مواصلة القتال، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام هدنة ومسار سياسي.
لماذا تريد واشنطن توسيع الحظر؟
يعود أصل الحظر الأممي إلى عام 2005، عندما ارتبط بإقليم دارفور نتيجة الصراع والانتهاكات الواسعة التي شهدها آنذاك.لكن السودان الذي يواجهه المجتمع الدولي اليوم مختلف تماماً.
فالحرب الحالية تجاوزت حدود دارفور، وانتقلت إلى مناطق واسعة من البلاد، كما تطورت طبيعة العمليات العسكرية وأدواتها، بما في ذلك الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية الحديثة.وبالتالي، ترى واشنطن أن استمرار الحظر في نطاق جغرافي محدود يترك ثغرات يمكن استغلالها لإيصال الأسلحة إلى أطراف الحرب.
فإذا كان السلاح يستطيع الدخول إلى السودان عبر منطقة غير مشمولة بالحظر، ثم الانتقال إلى جبهة قتال داخل منطقة محظورة، فإن فعالية النظام الدولي تصبح محدودة.ومن هنا تأتي فكرة الحظر الشامل: إغلاق المسارات التي تسمح بالالتفاف على القيود، وجعل كامل الأراضي السودانية خاضعة للنظام نفسه.
قرار لا يستثني طرفاً
تحرص الولايات المتحدة على تقديم مشروعها باعتباره إجراءً يستهدف طرفي الحرب، وليس محاولة لتغيير ميزان القوى لصالح أحدهما.وهذه النقطة مهمة في ظل الانقسام الدولي حول الأزمة السودانية.فالقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تخوضان حرباً مفتوحة، ولكل منهما شبكات مختلفة من العلاقات والدعم.
لكن واشنطن تقول إن استمرار تدفق السلاح إلى أي طرف يطيل أمد الصراع.لذلك، فإن الحظر المقترح لا يقوم على اختيار جهة تعتبرها الولايات المتحدة الطرف الوحيد المسؤول، وإنما على تقليص القدرة العسكرية للطرفين.
ويعني ذلك أن واشنطن تريد نقل النقاش من سؤال «من نؤيد؟» إلى سؤال «كيف نوقف الحرب؟».وهذا التحول قد يكون مهماً في مجلس الأمن، حيث يمكن للدول التي تختلف في تقييمها لطرفي الصراع أن تجد نفسها أمام قرار يركز على منع استمرار الحرب بدلاً من دعم أحد معسكريها.
واشنطن تستهدف الشبكات الخارجية
لكن مشروع القرار لا يتوقف عند القوات الموجودة داخل السودان.فالولايات المتحدة تركز على منظومة كاملة تضم تجار السلاح ووكلاء المشتريات والممولين ومجندي المرتزقة وموردي الطائرات المسيّرة والجهات التي توفر الدعم العسكري والتكنولوجي.
وهذا يعني أن واشنطن تريد أن يمتد تنفيذ الحظر إلى ما وراء الحدود السودانية.فالسلاح الذي يصل إلى السودان يمر غالباً عبر شبكة من الأشخاص والشركات والوسطاء، وقد تتعدد الدول التي يمر بها قبل وصوله إلى الجهة المستفيدة.
ومن ثم، فإن مراقبة الحدود السودانية وحدها لن تكون كافية.المطلوب هو تتبع الشبكات التي تبدأ بالتمويل وتنتهي بالتسليح، ومعرفة الجهات التي تقف وراء عمليات الشراء والنقل والتخزين والتوزيع.وهنا تصبح العقوبات المالية وتجميد الأصول وتشديد الرقابة على الصادرات أدوات أساسية في تنفيذ القرار.
رسالة إلى الدول التي تنفي الدعم
تحاول واشنطن أيضاً استخدام النقاش داخل مجلس الأمن للضغط على الدول التي تنفي تقديم دعم مباشر لأطراف الحرب.
فالرسالة التي طرحها المسؤولان الأمريكيان واضحة في جوهرها: إذا كانت الحكومات غير مسؤولة عن تدفق السلاح، فعليها أن تساعد المجتمع الدولي في تحديد الشبكات التي تقوم بهذه العمليات.ولا يقتصر الأمر على تقديم المعلومات، بل يمكن أن يشمل فرض عقوبات وطنية على المتورطين، وإغلاق الشركات التي تستخدم في عمليات التسليح، ومنع التحويلات المالية المرتبطة بها، وتشديد الرقابة على حركة البضائع.
وبهذا تحاول واشنطن تحويل النفي السياسي إلى التزام عملي.فالدولة التي تؤكد عدم علاقتها بتسليح أحد الأطراف تستطيع أن تثبت موقفها من خلال المساهمة في وقف الشبكات التي تعمل من أراضيها أو تستخدم شركات مرتبطة بها.
السلاح كوقود للحرب
تقوم الاستراتيجية الأمريكية على فرضية أساسية مفادها أن الحرب تحتاج إلى موارد كي تستمر.فالعمليات العسكرية تحتاج إلى الذخائر، والآليات تحتاج إلى قطع الغيار، والطائرات المسيّرة تحتاج إلى مكونات وتكنولوجيا، والمقاتلون يحتاجون إلى التمويل.
كل هذه الموارد لا يمكن إنتاجها أو توفيرها محلياً بالضرورة، ولذلك تصبح خطوط الإمداد الخارجية عاملاً حاسماً في قدرة الأطراف على مواصلة الحرب.ومن هذا المنظور، فإن قطع السلاح لا يعني بالضرورة إنهاء القتال فوراً، لكنه يمكن أن يحد من القدرة على تصعيده.
وهذا هو الفارق بين قرار يهدف إلى وقف حرب في يوم واحد، وقرار يهدف إلى تغيير الظروف التي تسمح للحرب بالاستمرار.فالولايات المتحدة تراهن على التأثير التراكمي للضغط.كلما أصبحت عمليات شراء السلاح أكثر صعوبة، وكلما ارتفعت تكلفة تمويلها، وكلما تعرض الوسطاء للعقوبات، تقل قدرة الأطراف على المحافظة على مستوى القتال نفسه.
الطائرات المسيّرة تزيد صعوبة المهمة
تواجه منظومة حظر السلاح تحدياً إضافياً يتمثل في انتشار الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا المرتبطة بها.فالأسلحة التقليدية قد تكون أكثر وضوحاً في عمليات التصدير والاستيراد، لكن بعض مكونات الطائرات المسيّرة يمكن أن تكون ذات استخدامات مدنية أيضاً.وهذا يفتح الباب أمام شبكات التوريد لاستخدام شركات تجارية وعمليات شراء متعددة المراحل لتجنب الرقابة.
ولهذا فإن تطبيق الحظر الشامل يحتاج إلى أدوات أكثر تطوراً من مجرد مراقبة شحنات الأسلحة.سيكون من الضروري أيضاً مراقبة صادرات التكنولوجيا، وتتبع الشركات التي توفر المكونات، والتحقق من المستخدم النهائي، وتبادل المعلومات بين الدول.وهنا يظهر الدور الذي تريد واشنطن أن يلعبه مجلس الأمن: توفير إطار دولي يسمح للدول بتنسيق هذه الإجراءات بدل التعامل مع شبكات التسليح كل على حدة.
العقوبات لتجفيف مصادر التمويل
إلى جانب منع شحنات السلاح، تريد الولايات المتحدة استخدام الأدوات المالية للضغط على شبكات الحرب.فتجميد الأصول يمكن أن يستهدف الأشخاص والكيانات المتورطة في تمويل العمليات العسكرية، بينما يمكن تشديد الرقابة على المعاملات المالية التي ترتبط بشراء الأسلحة أو نقل الأموال إلى أطراف النزاع.
كما يمكن أن تستهدف القيود الشركات التي تستخدم كواجهات لعمليات التسليح.وتكتسب هذه الإجراءات أهمية لأنها تضرب الحرب في أحد مصادر قوتها الأساسية: المال.فحتى عندما تكون الأسلحة متوفرة، فإن شراءها ونقلها وتخزينها يحتاج إلى موارد مالية.وبالتالي فإن الضغط المالي يمكن أن يكون مكملاً لحظر السلاح، وليس بديلاً عنه.
مجلس الأمن أمام اختبار سياسي
لكن نجاح المبادرة الأمريكية سيتوقف في النهاية على موقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن.فالولايات المتحدة تحتاج إلى إقناع الدول التي قد ترى أن توسيع الحظر خطوة مبالغ فيها، أو التي لديها مصالح سياسية واقتصادية وأمنية مرتبطة بالسودان والمنطقة.
كما أن بعض الدول قد تتساءل عن قدرة المجتمع الدولي على تنفيذ حظر شامل في بلد واسع، ذي حدود طويلة، وشبكات تهريب معقدة، ونزاع تتداخل فيه مصالح أطراف خارجية متعددة.وهذه الاعتراضات يمكن أن تشكل تحدياً أمام واشنطن.
لكن الإدارة الأمريكية تحاول، في المقابل، تقديم المشروع باعتباره استجابة لمشكلة واضحة: استمرار وصول السلاح يعني استمرار قدرة الأطراف على القتال.ومن ثم، فإن رفض الحظر أو إضعافه يحتاج، من وجهة نظر واشنطن، إلى بديل عملي يمنع تدفق الأسلحة.
موقف الدول قد يتحول إلى رسالة سياسية
لا تنظر واشنطن إلى التصويت داخل مجلس الأمن باعتباره مجرد إجراء دبلوماسي.فموقف كل دولة يمكن أن يتحول إلى رسالة سياسية بشأن كيفية تعامل المجتمع الدولي مع الحرب السودانية.
الدولة التي تؤيد القرار تدعم، عملياً، فكرة الضغط على مصادر التسليح.أما الدولة التي تعارضه أو تسعى إلى إضعافه، فقد تجد نفسها أمام سؤال يتعلق بالبديل الذي تطرحه لوقف تدفق السلاح.ولا يعني ذلك أن التصويت وحده سيحدد مصير الحرب، لكنه يرفع كلفة الموقف السياسي لكل دولة.وهنا تحاول واشنطن خلق نوع من الضغط الدبلوماسي على الأطراف الدولية التي يمكن أن تساهم في وقف الحرب أو استمرارها.
حظر السلاح ليس منفصلاً عن الهدنة
تضع الولايات المتحدة مشروع حظر السلاح ضمن حزمة أوسع من التحركات.فبالتوازي مع الضغط داخل مجلس الأمن، تدفع واشنطن نحو هدنة إنسانية تسمح بإيصال المساعدات إلى المدنيين، إلى جانب إنشاء آلية أممية تساعد في ضمان وصول هذه المساعدات.وتبدو هذه الخطوات مترابطة في الرؤية الأمريكية.
فالهدنة تحتاج إلى بيئة تجعل استمرار الحرب أكثر صعوبة، وحظر السلاح يمكن أن يساهم في توفير هذه البيئة.وفي المقابل، فإن المسار الإنساني يمكن أن يوفر فرصة لفتح مسار سياسي.وهكذا لا تتعامل واشنطن مع وقف إطلاق النار باعتباره هدفاً منفصلاً، وإنما كحلقة ضمن سلسلة تبدأ بتقليص القدرة على القتال وتنتهي بعملية سياسية.
واشنطن ترفض حسم مستقبل السودان بالسلاح
لكن البعد الأكثر حساسية في الموقف الأمريكي يتعلق بمستقبل السلطة.فواشنطن لا تريد أن يؤدي الحظر أو الهدنة فقط إلى وقف مؤقت للمعارك، ثم يعود السودان إلى المعادلة نفسها التي تجعل الطرف العسكري الأقوى صاحب القرار السياسي.ولهذا تؤكد المقاربة الأمريكية أن أياً من الجيش أو الدعم السريع لا ينبغي أن يحصل تلقائياً على شرعية حكم السودان بعد الحرب.
فالانتهاكات المنسوبة إلى الطرفين تجعل من الصعب، وفق هذه الرؤية، التعامل مع أحدهما باعتباره ممثلاً حصرياً لمستقبل الدولة.ومن هنا تأتي الدعوة إلى حوار سوداني مدني مستقل وموثوق، تكون مهمته الأساسية تحديد مستقبل البلاد وترتيبات الحكم بعد الحرب.
المدنيون في مواجهة منطق القوة
يحاول الطرح الأمريكي إعادة المدنيين إلى مركز المشهد السياسي السوداني.فالحرب جعلت القوة العسكرية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأحداث، بينما تراجعت قدرة القوى المدنية على فرض أجندتها.لكن واشنطن ترى أن استمرار هذا الوضع بعد الحرب سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة.
فالسلام الذي يُبنى على اتفاق بين المسلحين فقط قد يوقف المعارك، لكنه لا يعالج السؤال الأساسي المتعلق بطبيعة الدولة وعلاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة السياسية.ولهذا فإن الحوار المدني ليس تفصيلاً في الرؤية الأمريكية، وإنما يمثل الجزء السياسي من استراتيجية إنهاء الحرب.
التحدي الأكبر: التنفيذ
حتى إذا حصل مشروع القرار الأمريكي على التأييد، فإن التحدي الحقيقي سيبدأ بعد التصويت.فالسودان بلد واسع، وله حدود متعددة، وشبكات التهريب قادرة على تغيير طرقها.كما أن التكنولوجيا الحديثة تجعل من الصعب أحياناً تحديد طبيعة بعض الشحنات ووجهتها النهائية.ولذلك فإن نجاح الحظر يحتاج إلى تعاون دولي مستمر، وليس فقط قراراً يصدر في نيويورك.
ويتطلب الأمر رقابة على الموانئ والمطارات والمعابر، وتبادل المعلومات حول الشركات والأفراد، وتشديد الرقابة المالية، وتنسيق العقوبات.كما يتطلب إرادة سياسية لدى الدول التي تستطيع فعلياً التأثير في مسارات التسليح.
هل تستطيع واشنطن تغيير معادلة الحرب؟
السؤال النهائي هو ما إذا كان الضغط الأمريكي قادراً فعلاً على تغيير مسار الحرب.الإجابة ستتوقف على عدة عوامل، أهمها مدى شمول القرار، ودرجة الالتزام بتنفيذه، وقدرة واشنطن وشركائها على تعقب شبكات التسليح والتمويل، واستعداد الدول المؤثرة في الملف السوداني للتعاون.
لكن مجرد طرح الحظر الشامل يعكس تحولاً في طريقة التعامل مع الأزمة.فبدلاً من الاكتفاء بمطالبة الأطراف السودانية بوقف القتال، تتجه واشنطن إلى مخاطبة البيئة التي تجعل القتال ممكناً.
وهذه البيئة تشمل الدول، والشركات، والوسطاء، والممولين، وشبكات التكنولوجيا، وممرات التجارة والمال.إذا نجحت الولايات المتحدة في إغلاق جزء كبير من هذه القنوات، فإن حسابات الجيش والدعم السريع يمكن أن تتغير.أما إذا بقي الحظر مجرد قرار سياسي من دون آليات تنفيذ فعالة، فقد تستمر الحرب عبر قنوات بديلة.
معركة واشنطن لا تنتهي عند التصويت
لهذا فإن المعركة الحقيقية بالنسبة إلى الولايات المتحدة لن تكون فقط داخل قاعة مجلس الأمن.التصويت يمثل البداية، أما الاختبار الفعلي فيكمن في قدرة المجتمع الدولي على تنفيذ القرار وملاحقة الشبكات التي تتجاوزه.
وتدرك واشنطن أن الحرب السودانية لن تتوقف بقرار واحد، لكنها تحاول بناء منظومة ضغط متكاملة: حظر شامل للسلاح، عقوبات على الشبكات، تجميد للأصول، تشديد على الصادرات، هدنة إنسانية، وصول للمساعدات، ثم مسار سياسي مدني.وإذا اجتمعت هذه الأدوات في اتجاه واحد، فقد يصبح استمرار الحرب أكثر صعوبة.
أما إذا بقيت متفرقة، أو سمحت الدول المؤثرة باستمرار قنوات التسليح، فإن الأطراف المسلحة ستظل قادرة على إعادة إنتاج الصراع.في النهاية، تريد واشنطن أن تجعل مجلس الأمن جزءاً من معركة وقف الحرب، لا مجرد منصة لإصدار البيانات.فالرسالة الأمريكية تقوم على أن إنهاء الحرب السودانية يتطلب وقف تدفق السلاح بقدر ما يتطلب إقناع المقاتلين بوقف إطلاق النار.




