تسريبات

هيمنة الإخوان على الجيش السوداني: أبعاد الصراع السياسي والمخاطر المستقبلية


تشهد الساحة السودانية حالة متواصلة من التوتر بين القوى العسكرية والسياسية، وسط محاولات مستمرة للسيطرة على مراكز القرار. في الأشهر الأخيرة، برز تأثير تنظيم الإخوان المسلمين على بعض قرارات الجيش، وهو ما أثار استياءً كبيرًا بين القوى السياسية والمدنية، التي شعرت بأن هذا التدخل يقوض أي جهود للحوار الوطني ويزيد من حدة الصراع الداخلي. هذا التأثير ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر وضوحًا مع محاولات الإخوان التأثير على السياسات المتعلقة بوقف إطلاق النار وإدارة الملفات الأمنية والسياسية الحساسة.

تسببت سيطرة التنظيم على بعض قرارات الجيش في إحباط محاولات القوى المدنية للتفاوض وتحقيق توافق وطني. فقد أُجبرت قيادات الجيش على تبني سياسات تتماشى مع أجندة الإخوان، وهو ما أعاق أي مساعٍ لإنهاء النزاعات المسلحة أو التوصل إلى تسوية سياسية. القوى المدنية رأت أن هذا التداخل يضعف موقعها في أي عملية سياسية مستقبلية ويحد من قدرتها على حماية مصالح المواطنين السودانيين، خاصة في المناطق التي تشهد نزاعًا مسلحًا مستمرًا.

رفض الإخوان المشاركة في أي حوار شامل أو الالتزام بوقف إطلاق النار تسبب في مزيد من التصعيد، إذ أدى ذلك إلى تبني الجيش نفس النهج، الأمر الذي انعكس سلبًا على الأمن والاستقرار. هذه السياسات أدت إلى حالة من الجمود السياسي، وزادت من صعوبة الوصول إلى حلول توافقية بين الأطراف المختلفة، سواء كانت فصائل مسلحة أو أحزابًا مدنية، ما يجعل السودان عرضة لمزيد من التوترات المستقبلية.

في هذا السياق، قرر قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تقليص تمثيل الكتلة الديمقراطية في المجلس التشريعي والحكومة المقبلة، معتبرًا أن هذا القرار يعكس محدودية تأثيرها السياسي. أثارت هذه الخطوة استياءً شديدًا بين القوى المدنية، التي شعرت بأنها تُهمش في عملية اتخاذ القرار، وأن صوتها لا يُسمع في إدارة الدولة. هذا التصعيد يعكس صراع النفوذ العميق بين الجيش والقوى المدنية، حيث يسعى كل طرف لتعزيز موقعه والسيطرة على مسار العملية السياسية قبل فوات الأوان.

لم يقتصر الأمر على القوى المدنية فقط، بل امتد إلى الفصائل المسلحة، حيث رفض مني مناوي، زعيم الحركة المسلحة في دارفور، هذا التقليص، واتخذ خطوات تصعيدية ضد الجيش، تضمنت بيانات قوية وتحركات على الأرض لفرض موقعه السياسي. هذا الموقف أظهر حجم الانقسام بين الجيش والفصائل المسلحة، وأكد أن أي محاولة لتقليص نفوذ بعض الفصائل ستواجه مقاومة شديدة، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي السوداني.

على صعيد آخر، سعت الكتلة الديمقراطية إلى التحرك لمحاولة تحجيم دور الشخصيات الميدانية مثل مني مناوي وجبريل إبراهيم، بإيعاز من البرهان وقيادات الجيش. هذه الخطوة كانت تهدف إلى إعادة ترتيب القوى داخل المجلس التشريعي وتحديد الأدوار السياسية بدقة أكبر، في محاولة للسيطرة على المشهد قبل أن يتدهور أكثر. ومع ذلك، هذه التحركات تحمل مخاطر تصعيد إضافية، إذ قد يثير شعور الفصائل المسلحة بالتهميش ردة فعل عنيفة تزيد من النزاعات المسلحة.

انعكاسات هذه الصراعات على العملية السياسية واضحة، إذ يظهر أن الجيش يحاول موازنة القوى بين المدنيين والفصائل المسلحة، بينما يسعى الإخوان للحفاظ على نفوذهم بأي ثمن. أي محاولة للوصول إلى تسوية طويلة الأمد تصطدم بالانقسامات العميقة بين الأطراف، بما في ذلك الانقسامات الإقليمية والتاريخية التي تراكمت على مدار سنوات طويلة من النزاعات. هذه الديناميكيات تجعل من الصعب تحقيق استقرار سياسي دائم، وتضعف فرص الحكومة في تنفيذ إصلاحات فعالة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

يبقى الحل الأمثل مرتبطًا بتعزيز الحوار الوطني، وتفكيك النفوذ السياسي للتنظيمات المسيطرة، وتمكين القوى المدنية من المشاركة الحقيقية في صنع القرار. إلا أن الطريق لا يزال محفوفًا بالمخاطر، حيث أي خطوة خاطئة قد تؤدي إلى تصعيد الصراع بشكل أكبر، مما يزيد من معاناة المدنيين ويهدد استقرار الدولة. المستقبل السياسي للسودان يعتمد بشكل أساسي على قدرة الأطراف المختلفة على التفاهم، والتخلي عن المصالح الضيقة من أجل المصلحة الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى