من الصحراء إلى الخرطوم: تحقيق استقصائي يرصد شبكة دعم جوي خفي للجيش السوداني
يُعيد التحقيق الاستقصائي الذي نشرته نيويورك تايمز حول القاعدة الجوية السرية في شرق العوينات تعريف الدور المصري في الأزمة السودانية، ليس كوسيط سياسي محتمل، بل كفاعل أمني مباشر يستخدم أدوات الحرب الحديثة لتوجيه مسار الصراع. هذا التحول، إن صحّت معطياته، يمثل خروجًا عن الخطاب الرسمي المعلن الذي يركز على الحلول السياسية والحفاظ على وحدة السودان.
بحسب ما أورده التحقيق، فإن النشاط الجوي المرتبط بالقاعدة ازداد تزامنًا مع اشتداد المعارك داخل السودان، ما يعزز فرضية وجود علاقة سببية بين الدعم الجوي المسيّر والتحركات الميدانية للجيش السوداني. ويشير التقرير إلى أن بعض الضربات التي نُفذت أظهرت مستوى عاليًا من الدقة، ما يرجّح إدارة العمليات من قبل أطقم مدرّبة تدريبًا متقدمًا.

الجانب الأكثر حساسية في التحقيق هو مسألة “الإدارة من داخل الأراضي المصرية”. فذلك يعني، عمليًا، أن القرار باستخدام القوة الجوية يُتخذ خارج السودان، ما يضع القيادة العسكرية السودانية في موقع الشريك التابع، لا القائد المستقل. هذا البعد، وفق محللين، قد تكون له تداعيات داخلية على شرعية المؤسسة العسكرية السودانية نفسها.
من منظور إقليمي، تثير القضية مخاوف دول الجوار. ففتح سابقة استخدام أراضي دولة لإدارة عمليات عسكرية داخل دولة أخرى، قد يشجع أطرافًا أخرى على تبني النموذج نفسه، ما يهدد بتحويل المنطقة إلى شبكة من الحروب بالوكالة، تُدار من قواعد سرية ومنصات غير مأهولة.
الدور التركي، مرة أخرى، يحضر كعامل مضاعِف للتعقيد. فتركيا، التي راكمت خبرة واسعة في استخدام المسيّرات في سوريا وليبيا وأذربيجان، أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تصدير هذا النموذج. التحقيق يلمّح إلى أن ما يجري في السودان قد يكون اختبارًا جديدًا لقدرات هذه المسيّرات في بيئة صحراوية-أفريقية مختلفة.
سياسيًا، يضع هذا التعاون القاهرة في موقع دقيق. فمن جهة، تسعى مصر للحفاظ على نفوذها التقليدي في السودان، ومن جهة أخرى، تخاطر بتقويض صورتها كطرف داعم للاستقرار. الصمت الرسمي، في هذا السياق، قد يكون خيارًا تكتيكيًا، لكنه لا يلغي أثر التسريبات والتحقيقات الصحفية الدولية.
التحقيق يسلّط الضوء أيضًا على دور الإعلام الاستقصائي في كشف ما تعجز القنوات الرسمية عن توضيحه. فاعتماد التقرير على صور أقمار صناعية وتحليل خبراء مستقلين، يعكس قدرة الصحافة الدولية على اختراق جدران السرية العسكرية، وهو ما يضع الحكومات أمام تحدٍ جديد في عصر الشفافية القسرية.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن التحولات الكبرى في طبيعة القوة والنفوذ. فالمسيّرات لم تعد مجرد سلاح، بل أداة سياسة خارجية، تُستخدم لإعادة تشكيل النزاعات دون إعلان حرب صريح. وما يجري في شرق العوينات، بحسب التحقيق، قد يكون نموذجًا لما هو قادم في صراعات أخرى بالمنطقة.
المقالة الرابعة (≈1000 كلمة)
يثير الكشف عن قاعدة جوية سرية يُزعم أنها تُستخدم لتشغيل مسيّرات تركية لصالح الجيش السوداني من داخل مصر، أسئلة عميقة حول مفهوم السيادة في زمن الحروب غير المعلنة. تحقيق نيويورك تايمز لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يفتح بابًا لتحليل أوسع حول كيف أصبحت الحدود أقل صلابة أمام التكنولوجيا العسكرية.
القاعدة، كما وصفها التحقيق، تعمل خارج الأضواء، دون إعلان رسمي، ودون رقابة دولية. هذا النمط من العمل يعكس، بحسب خبراء، رغبة في تحقيق أهداف عسكرية دون تحمل كلفة سياسية كاملة. فغياب الجنود على الأرض، واستبدالهم بمنصات غير مأهولة، يقلل من الحساسية الداخلية لأي خسائر بشرية محتملة.
لكن هذا “التحصين السياسي” لا يلغي المخاطر. فإدارة عمليات عسكرية بهذا الشكل قد تؤدي إلى أخطاء في التقدير، أو ضرب أهداف مدنية، ما يفتح الباب أمام اتهامات بانتهاك القانون الإنساني الدولي. التحقيق لم يؤكد وقوع مثل هذه الحوادث، لكنه أشار إلى مخاوف عبّرت عنها منظمات حقوقية تراقب تطورات النزاع السوداني.
الدعم التركي، وفق التقرير، يعكس سعي أنقرة لتعزيز حضورها في أفريقيا عبر بوابة الأمن والدفاع. فالمسيّرات أصبحت أداة نفوذ، تتيح لتركيا بناء شراكات استراتيجية دون نشر قوات تقليدية. غير أن هذا الدور يضعها أيضًا في دائرة الانتقاد، خاصة إذا ارتبط باستخدام هذه التكنولوجيا في نزاعات داخلية معقدة.
من جهة أخرى، يطرح التحقيق تساؤلات حول موقف القوى الكبرى. فالولايات المتحدة، التي نُشرت الصحيفة على أرضها، تجد نفسها أمام ملف حساس، خاصة في ظل علاقاتها مع مصر وتركيا معًا. الصمت الأمريكي، حتى الآن، قد يُفسر كنوع من الانتظار أو إدارة الأزمة بعيدًا عن الإعلام.
في الداخل المصري، يظل الرأي العام بعيدًا عن تفاصيل هذا الملف، بفعل الطابع السري والتعتيم الإعلامي. غير أن تسريب مثل هذه المعلومات عبر صحيفة دولية كبرى قد يفرض نقاشًا غير مباشر حول حدود الدور الإقليمي، وكلفة الانخراط في صراعات خارجية.
التحقيق، في جوهره، لا يدين بقدر ما يطرح أسئلة. لكنه يكشف بوضوح أن السودان لم يعد ساحة صراع محلي فحسب، بل أصبح نقطة تقاطع لمصالح إقليمية تستخدم أحدث أدوات الحرب. ومع كل مسيّرة تقلع من قاعدة سرية، تتآكل فكرة الحرب “المحدودة”، لصالح واقع أكثر تعقيدًا وتشابكًا.




