من الإغاثة إلى الصفقات.. تفاصيل فضيحة مالية تهز السودان
في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، تبدو الفضيحة التي هزّت ولاية النيل الأبيض — والمتعلقة ببيع 14 ألف جوال من السكر والدقيق المخصصين للإغاثة — أكثر من مجرد تجاوز إداري؛ إنها مؤشر صارخ على تآكل منظومة الحماية الاجتماعية في السودان، وعلى هشاشة مؤسسات الدولة في لحظة تتطلب أعلى درجات النزاهة والشفافية. فالاعتراف الرسمي من وزارة المالية ببيع هذه الكميات عبر عطاء «سري» يعكس حجم الانفصال بين احتياجات المواطنين اليومية وبين ممارسات سلطات يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن الفئات الأكثر هشاشة.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المواد التي جرى التصرف فيها كانت جزءًا من مخزون مخصص لدعم الأسر المتضررة والنازحين، في وقت تشهد فيه مناطق واسعة من السودان نقصًا حادًا في الغذاء وتراجعًا مقلقًا في قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين. وفي ظل هذا الواقع، يبدو بيع مواد الإغاثة — بدلًا من توزيعها — فعلًا يصعب تبريره، خاصة في ولاية تستقبل أعدادًا متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.
وقد أثارت الخطوة موجة واسعة من الغضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون أن العطاء المغلق يعكس «حجم الفوضى والفساد داخل المؤسسات الحكومية»، مطالبين بتحقيق عاجل وشفاف يكشف الجهات التي اتخذت القرار وكيفية التصرف في العائدات المالية. ويعكس هذا الغضب الشعبي شعورًا متزايدًا بأن المساعدات الإنسانية — التي تمثل شريان حياة لآلاف الأسر — أصبحت عرضة للتلاعب في ظل غياب رقابة فعالة.
وتساءل متابعون عن الأسباب التي دفعت السلطات إلى بيع مواد يفترض أن تُوزع على المتضررين، خاصة في ظل تزايد أعداد النازحين واعتماد آلاف الأسر على الإغاثة للبقاء على قيد الحياة. ويؤكد ناشطون في العمل الإنساني أن أي تلاعب بالمساعدات الغذائية «يهدد الثقة في منظومة الإغاثة بالكامل»، ويضاعف من معاناة المدنيين الذين يعيشون أوضاعًا اقتصادية وإنسانية بالغة التعقيد.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية تحديات كبيرة في إيصال المساعدات بسبب الحرب والانهيار الاقتصادي وتدهور البنية التحتية. وخلال الأشهر الماضية، تكررت تقارير تتحدث عن تسرب مواد الإغاثة إلى الأسواق المحلية أو استخدامها لأغراض تجارية، ما أثار مخاوف من وجود شبكات تستفيد من الأزمة لتحقيق أرباح مالية على حساب المدنيين. ويشير محللون إلى أن استمرار مثل هذه الحوادث قد يعقّد عمل المنظمات الدولية والجهات المانحة، خاصة في ظل المطالبات المتزايدة بفرض رقابة أكثر صرامة على عمليات التخزين والتوزيع.
ورغم خطورة ما جرى، لم تصدر حتى الآن توضيحات تفصيلية بشأن طبيعة العطاء أو الجهات التي رست عليها عملية البيع، ما يزيد من حالة الشك العام ويعزز الدعوات لمحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات تتعلق بمواد الإغاثة. وفي بلد يواجه انهيارًا اقتصاديًا عميقًا، تبدو هذه الفضيحة كاشفة لمدى هشاشة منظومة الحوكمة، وللثمن الذي يدفعه المواطنون حين تتحول المساعدات الإنسانية — التي يفترض أن تكون خط نجاة — إلى سلعة في سوق مغلقة.
وفي ظل غياب تحقيقات واضحة أو إجراءات محاسبة، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الحادثة ستتحول إلى نقطة تحول في إدارة ملف الإغاثة، أم أنها ستنضم إلى سلسلة طويلة من التجاوزات التي لم تجد طريقها إلى العدالة. وفي كلتا الحالتين، يظل المتضرر الأكبر هو المواطن السوداني الذي ينتظر المساعدة فلا يجدها، بينما تتسرب موارده إلى قنوات لا يعرف عنها شيئًا.




