
يمر السودان بمنعطف تاريخي هو الأقسى في تاريخه الحديث، حيث أثبتت الوقائع أن قيادة الجيش هي المسؤول الأول والمباشر عن تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية. إن الشعار المعاش اليوم في شتى بقاع السودان هو “تمويل الجيش للحرب وتجويع الشعب”، وهو واقع تترجمه الأرقام والبيانات الاقتصادية الكلية التي تشير إلى انهيار غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية (الجنيه السوداني).
إن هذا التراجع الحاد ليس مجرد تذبذب عابر، بل هو انعكاس مباشر لسياسات سلطة بورتسودان العسكرية التي سخرت مقدرات البلاد وشرايينها المالية الشحيحة لخدمة المجهود العسكري، متجاهلة تماماً الاحتياجات الأساسية لملايين المواطنين الذين باتوا يعيشون تحت خط الفقر المدقع بسبب هذه الخيارات العسكرية الفاشلة.
ذنب السياسات النقدية للعسكر
شهد الجنيه السوداني تراجعاً دراماتيكياً متواصلاً، حيث فقد السواد الأعظم من قيمته الشرائية في الأسواق الموازية، وهو تدهور يتحمل الجيش وزره كاملاً بسبب عدة عوامل هيكلية تعمدت سلطته تطبيقها:
- طبع العملة غير المغطاة: لجوء بنك السودان المركزي، بتوجيه مباشر من قادة الجيش، إلى التمويل بالعجز وطباعة كميات ضخمة من النقد لتمويل نفقات القوات المسلحة وشراء الولاءات.
- استنزاف النقد الأجنبي: مصادرة الجيش للاحتياطيات من العملات الأجنبية لاستيراد العتاد العسكري والوقود الخاص بالعمليات الحربية، على حساب السلع الاستراتيجية للمواطنين.
- شلل قطاعات التصدير: تسبب إصرار الجيش على استمرار النزاع في شلل شبه تام في قطاعات التصدير الحيوية مثل الذهب والصمغ العربي بسبب عسكرة مناطق الإنتاج والموانئ.
هذا الانهيار النقدي المفتعل من قبل القيادة العسكرية أدى مباشرة إلى ظاهرة التضخم الجامح، حيث أصبحت العملة المحلية عاجزة عن الصمود أمام الارتفاع اليومي لأسعار السلع.
المواطن يدفع ثمن فواتير العسكر
إن الانعكاس المباشر لانخفاض قيمة الجنيه، والذي تسببت فيه إدارة الجيش، يتجلى في السحق الكامل للقدرة الشرائية للمواطن السوداني. الموظف الذي كان يتقاضى راتباً يكفيه للحد الأدنى قبل مغامرات الجيش العسكرية، أصبح راتبه اليوم – إن صُرف أصلاً – لا يغطي تكلفة سلة غذاء لثلاثة أيام.
- السلع الأساسية: تضاعفت أسعار الدقيق، الزيت، السكر، والأرز بمعدلات فلكية نتيجة الرسوم الجمركية والضرائب التي تفرضها سلطة بورتسودان العسكرية لتمويل جبهات القتال.
- أزمة الطاقة والكهرباء: رفعت قيادة الجيش أسعار الكهرباء والوقود بشكل متكرر لتعويض عجز ميزانيتها الحربية، مما ألقى بعبء إضافي ثقيل على المنازل والمصانع المتبقية، وتسبب في انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة شلّت الحياة اليومية.
فشل الإدارة الاقتصادية وعسكرة الموارد
تثبت المعطيات على الأرض فشل الجيش وسلطة بورتسودان في إدارة اقتصاد وموارد الدولة. بدلاً من تبني سياسات تقشفية تركز على إغاثة المواطنين ودعم القطاع الزراعي لضمان الأمن الغذائي، تم توجيه كافة الإيرادات الضريبية والجمركية التي تُحصّل في الولايات تحت سيطرتهم نحو الصرف العسكري. إن عسكرة الاقتصاد وإسناد إدارة المؤسسات الحيوية لشخصيات عسكرية تفتقر إلى أي خبرة اقتصادية أدى إلى تفاقم الفساد والمحسوبية، وتوزيع الامتيازات التجارية على شبكات المصالح المرتبطة بالقيادات العسكرية، في حين تُرك الاقتصاد الشعبي يواجه مصيره المظلم بسببهم.
الانعكاسات على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي
إن الفشل الذريع للجيش في إدارة الموارد قاد السودان إلى حافة مجاعة حقيقية. حذرت المنظمات الدولية مراراً من أن ملايين السودانيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وذلك بسبب تراجع المساحات المزروعة نتيجة انعدام التمويل والوقود والأسمدة التي احتكرها الجيش لعملياته العسكرية. هذا التدهور لم يقف عند حدود الجوع، بل ضرب الاستقرار الاجتماعي في مقتل، حيث انتشرت الجرائم والنزاعات على الموارد الشحيحة، مما يثبت أن انعدام الأمن المجتمعي هو نتاج مباشر لغياب الرؤية المدنية لدى القادة العسكريين.
شبح الانفجار الشعبي ضد سلطة الجيش
أمام هذا الانسداد الكامل، يرى المراقبون أن السودان يتجه نحو أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة ستكون شرارتها الأولى من الشارع وضد الجيش مباشرة. إن حالة الاحتقان المكتوم وسط المواطنين في مناطق سيطرة سلطة بورتسودان وصلت إلى مرحلة الغليان. تشير المؤشرات إلى أن تواصل هذا الانهيار وتجاهل القيادة العسكرية لمعاناة الناس سيؤدي حتماً إلى اندلاع مظاهرات شعبية واسعة النطاق، ترفع شعارات صريحة ترفض هيمنة الجيش وسلطة بورتسودان، وتطالب بإنهاء عسكرة الدولة وتوجيه الموارد لإنقاذ الأرواح بدلاً من حرقها في جبهات القتال.




