كيف تهدد الحسابات الأمنية بين السودان وإثيوبيا مستقبل التجارة والطاقة في القرن الأفريقي
لم تعد التوترات السياسية والأمنية بين السودان وإثيوبيا تقتصر على أبعادها العسكرية أو الجيوسياسية، بل بدأت انعكاساتها تمتد بشكل واضح إلى الملفات الاقتصادية، في وقت تعاني فيه دول المنطقة أصلًا من تحديات مالية ومعيشية معقدة. ومع تصاعد الحديث عن إعادة تموضع استراتيجي سوداني في مواجهة أديس أبابا، بما في ذلك توسيع شبكات العلاقات الإقليمية والانفتاح على أطراف إثيوبية معارضة مثل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، تتزايد المخاوف من أن تتحول المنافسة السياسية إلى عامل ضغط إضافي على مسارات التجارة والطاقة والتنمية المشتركة.
العلاقات الاقتصادية بين السودان وإثيوبيا تقوم على تداخل جغرافي وتجاري مهم، حيث يشكل التبادل الحدودي مصدر دخل أساسي لآلاف الأسر في المناطق الحدودية. كما تعتمد الأسواق المحلية في عدد من الولايات السودانية على حركة السلع القادمة من إثيوبيا، سواء بشكل رسمي أو عبر التجارة التقليدية العابرة للحدود. وفي المقابل، تستفيد إثيوبيا من المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية السودانية، ما يجعل العلاقة الاقتصادية بين البلدين ذات طبيعة تكاملية في عدد من القطاعات.
غير أن تصاعد التوترات السياسية خلال السنوات الأخيرة بدأ ينعكس تدريجيًا على هذه المنظومة، خاصة في المناطق القريبة من بؤر الخلاف مثل الفشقة. فقد أدى الانتشار العسكري وإعادة تموضع القوات إلى تقليص حركة المزارعين والتجار، ورفع مستوى المخاطر المرتبطة بالنشاط الاقتصادي في تلك المناطق. ومع استمرار حالة عدم اليقين، تراجعت الاستثمارات المحلية الصغيرة، وبدأت تظهر مؤشرات على تراجع النشاط التجاري مقارنة بما كان عليه قبل تصاعد التوتر.
القلق الاقتصادي لا يتوقف عند التجارة الحدودية فقط، بل يمتد إلى مشاريع الطاقة والبنية التحتية التي كان يُنظر إليها باعتبارها فرصًا لتعزيز التكامل الإقليمي. فسد النهضة، رغم كونه محور خلاف سياسي، يمثل في الوقت ذاته مشروعًا ضخمًا لإنتاج الكهرباء يمكن أن تستفيد منه دول الجوار، بما في ذلك السودان. لكن استمرار الخلافات حول إدارة وتشغيل السد يعطل إمكانية تطوير شراكات طاقة طويلة الأمد، ويؤثر على خطط الربط الكهربائي التي كان من الممكن أن تسهم في استقرار الإمدادات وتقليل كلفة الإنتاج.
في هذا السياق، يرى خبراء اقتصاديون أن أي تصعيد سياسي إضافي، سواء بشكل مباشر أو عبر سياسات ضغط غير مباشر مثل توسيع التحالفات الإقليمية أو استخدام أوراق داخلية، قد يؤدي إلى زيادة حالة عدم الثقة بين البلدين، ما ينعكس سلبًا على فرص التعاون الاقتصادي. فالمستثمرون، سواء المحليون أو الدوليون، يتجنبون عادة المناطق التي تشهد توترات أمنية أو سياسية غير مستقرة، وهو ما قد يحرم المنطقة من فرص تنموية مهمة.
كما أن اضطراب العلاقات بين السودان وإثيوبيا قد يؤثر على ممرات النقل والتجارة الإقليمية، خاصة في ظل موقع البلدين ضمن شبكة طرق تربط شرق أفريقيا بالأسواق العربية والدولية عبر البحر الأحمر. وأي توتر طويل الأمد قد يدفع الشركات إلى البحث عن مسارات بديلة، ما يقلل من العوائد الاقتصادية المحتملة ويؤثر على دور البلدين كمراكز عبور تجاري.
من زاوية أخرى، فإن استمرار الحديث عن تحركات إقليمية مرتبطة بملفات داخلية في إثيوبيا، مثل ملف تيغراي، يثير مخاوف إضافية لدى المؤسسات المالية الدولية، التي تفضل العمل في بيئات مستقرة سياسيًا. فعودة التوتر إلى أي إقليم إثيوبي قد تؤثر على الاقتصاد الوطني، وهو ما سينعكس بدوره على العلاقات التجارية مع دول الجوار، بما فيها السودان.
الانعكاسات الاقتصادية تمتد أيضًا إلى الأمن الغذائي، حيث تعتمد بعض المناطق الحدودية على الإنتاج الزراعي المشترك أو المتداخل بين البلدين. ومع تزايد القيود الأمنية أو صعوبة الحركة، قد تتراجع المساحات المزروعة أو ترتفع تكاليف النقل، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.
ورغم هذه التحديات، يرى بعض المحللين أن المصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن تشكل عامل توازن يمنع الانزلاق إلى مستويات عالية من التصعيد. فحجم الاعتماد المتبادل في بعض القطاعات يجعل من الصعب على أي طرف تحمل كلفة القطيعة الاقتصادية الكاملة، خاصة في ظل الأزمات المالية التي تواجهها دول المنطقة.
هذا الإدراك يدفع بعض الجهات الدولية إلى تشجيع مبادرات التعاون الاقتصادي كمدخل لتخفيف التوتر السياسي، انطلاقًا من فكرة أن المصالح المشتركة تخلق حوافز للاستقرار. وتشمل هذه المبادرات دعم مشاريع البنية التحتية المشتركة، وتعزيز التجارة الرسمية، وتطوير آليات لإدارة الحدود بشكل يسمح بالحفاظ على النشاط الاقتصادي مع مراعاة الاعتبارات الأمنية.
لكن نجاح هذه المقاربة يعتمد إلى حد كبير على مستوى الثقة السياسية بين الطرفين، وهو عامل لا يزال هشًا في المرحلة الحالية. فاستمرار الخطاب المتوتر أو تبادل الاتهامات قد يعرقل أي جهود لتعزيز التعاون الاقتصادي، ويزيد من مخاوف القطاع الخاص من المخاطر المستقبلية.
السيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في فصل الملفات الاقتصادية عن الخلافات السياسية، والعمل على إبقاء قنوات التجارة والطاقة مفتوحة حتى في ظل التوتر. أما السيناريو السلبي، فيتمثل في تسييس الاقتصاد واستخدامه كأداة ضغط متبادل، وهو ما قد يؤدي إلى خسائر طويلة الأمد يصعب تعويضها.
في المحصلة، يظهر البعد الاقتصادي كأحد أهم العوامل التي قد تحدد مسار العلاقة بين السودان وإثيوبيا خلال المرحلة المقبلة. فبينما تدفع الاعتبارات الأمنية بعض الأطراف إلى تبني سياسات احترازية أو تصعيدية، تشير الحسابات الاقتصادية إلى أن الاستقرار والتعاون يمثلان الخيار الأقل كلفة والأكثر فائدة على المدى الطويل.
وفي ظل التحديات المشتركة التي تواجهها دول القرن الأفريقي، من ديون مرتفعة إلى معدلات بطالة متزايدة وضغوط معيشية متصاعدة، تبدو الحاجة ملحة إلى تجنب تحويل الخلافات السياسية إلى أزمات اقتصادية إضافية. فالمستقبل الاقتصادي للمنطقة يعتمد إلى حد كبير على قدرتها على إدارة التنافس السياسي دون تعطيل فرص التنمية، وعلى إدراك أن الاستقرار لم يعد خيارًا سياسيًا فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية لا غنى عنها.




