تسريبات
كيف تغذي خيوط أنقرة الخفية اقتصاد الحرب في السودان؟
بينما تشهد شوارع الخرطوم ودارفور ومناطق الجزيرة أفظع المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين جراء الحرب الدائرة في السودان، تدور خلف الكواليس الدبلوماسية والاقتصادية معارك من نوع آخر. في العاصمة التركية أنقرة، وفي الموانئ المطلة على البحر الأحمر، تتحرك شبكة معقدة من العلاقات والمصالح التجارية والسياسية التي تلعب دوراً صامتاً، لكنه حاسم، في تحديد مسار الحرب السودانية. هذا التقرير الاستقصائي يسلط الضوء على الدور التركي غير المباشر، وكيف ساهمت هذه التدخلات الناعمة والاقتصادية في زيادة تعقيد المشهد السوداني، وإطالة أمد الصراع عبر تزويد أطرافه بأسباب البقاء والاستمرار.
بورتسودان وأنقرة: شريان الحياة الاقتصادي والسياسي
منذ انتقال الحكومة السودانية والقيادة العسكرية إلى مدينة بورتسودان الساحلية، تحولت المدينة إلى مركز ثقل دبلوماسي جديد. ولم تكن تركيا بعيدة عن هذا التحول؛ بل كانت من أوائل الدول التي عززت وجودها هناك. هذا التحرك لم يكن مجرد تضامن دبلوماسي، بل كان خطوة استراتيجية لحماية استثمارات تركية بمليارات الدولارات وتأمين موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر الإستراتيجي.
من خلال استمرار عمل السفارة التركية وتقديم التسهيلات القنصلية والتجارية، وفرت أنقرة شريان حياة سياسي واقتصادي حرج لقيادة الجيش السوداني. هذا الدعم غير المباشر منح سلطة بورتسودان شعوراً بالشرعية الدولية والاستمرارية، وهو ما انعكس سلباً على فرص السلام؛ إذ بدلاً من السعي نحو تسوية سياسية شاملة، واصلت السلطة التمسك بخيار الحسم العسكري، مستندة إلى اعتراف ودعم قوى إقليمية وازنة مثل تركيا.
الطائرات المسيرة والتكنولوجيا العسكرية: السلاح الخفي
في أي تقرير يتناول الدور التركي في صراعات الشرق الأوسط وأفريقيا، تبرز دائماً تكنولوجيا الصناعات الدفاعية التركية كعامل مغير لقواعد اللعبة. في السودان، تشير مصادر ميدانية وشهادات متقاطعة إلى أن الطائرات المسيرة التركية الصنع لعبت دوراً محورياً في حماية المواقع الاستراتيجية للجيش السوداني وإلحاق خسائر فادحة بصفوف قوات الدعم السريع في مناطق واسعة من العاصمة وضواحيها.
ورغم أن تركيا لم تعلن رسمياً عن صفقات تسليح جديدة خلال الحرب، إلا أن الاتفاقيات الدفاعية السابقة، وعقود الصيانة المتوفرة، وقطع الغيار التي تتدفق عبر قنوات تجارية خاصة، شكلت فارقاً كبيراً. هذا النمط من الدعم العسكري التكنولوجي غير المباشر ساهم في خلق نوع من التعادل العسكري على الأرض؛ فالجيش يمتلك التفوق الجوي بفضل التكنولوجيا، بينما يمتلك الدعم السريع التفوق العددي والانتشار البري. هذا التوازن العسكري المفتعل والمستدام هو الوقود الحقيقي لإطالة أمد الحرب، حيث يظن كل طرف بانتظام أنه قادر على كسر الطرف الآخر في الجولة القادمة.
شبكة الذهب والتجارة: تغذية أطراف النزاع
لا يقتصر التعقيد في الدور التركي على دعم طرف واحد، بل يمتد إلى شبكات اقتصادية يستفيد منها الطرفان بطرق مباشرة وغير مباشرة. السودان غني بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها الذهب، وهو العصب المالي الذي يغذي آلة الحرب الحالية. تشير التتبعات الاقتصادية إلى أن الأسواق التركية، وتحديداً تجارة الذهب والمجوهرات في إسطنبول، تمثل وجهة هامة للذهب السوداني المهرب أو المصدر بشكل شبه رسمي.
هنا تبرز المفارقة البراغماتية: في حين تدعم أنقرة جيش البرهان سياسياً ودبلوماسياً، فإن شركات تركية ورجال أعمال يعملون أيضاً في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع (مثل مناجم الذهب في غرب السودان ودارفور). تشتري هذه الشبكات الذهب السوداني، مما يوفر السيولة النقدية والعملات الصعبة لقوات الدعم السريع لشراء الأسلحة ودفع رواتب المقاتلين وتجنيد المرتزقة. هذا التداخل الاقتصادي يجعل من تركيا، بقصد أو بغير قصد، سوقاً تساهم في تمويل آلة الحرب لكلا الطرفين، مما يعقد المشهد ويجعل إنهاء الصراع مرتبطاً بتفكيك شبكات مصالح عابرة للحدود.
جمود المبادرات الدبلوماسية والوساطة الشاحبة
حاولت تركيا في عدة مناسبات طرح نفسها كوسيط مقبول لحل الأزمة السودانية، مستغلة علاقاتها الطيبة مع مختلف المكونات السودانية قبل الحرب. ولكن هذه المبادرات بقيت شاحبة ولم تحقق أي اختراق يذكر. ويرجع ذلك إلى أن التحرك الدبلوماسي التركي كان دائماً مكبلاً بحسابات الربح والخسارة الخاصة بأنقرة في ملفات إقليمية وأفريقية أخرى.
الخوف التركي من اتخاذ موقف حازم وصارم قد يفسد استراتيجيتها القائمة على حماية الاستثمارات، جعل الموقف الدبلوماسي التركي عاجزاً عن ممارسة ضغط حقيقي على أي من الطرفين. هذا السلوك الدبلوماسي السلبي، الذي يكتفي بإطلاق دعوات عامة للحوار مع الاستمرار في حماية المصالح التجارية والعسكرية، ساهم في إفراغ الجهود الدولية من مضمونها، وترك الساحة السودانية لمزيد من التعقيد والتشظي.
على الأرض في السودان، ينظر الشارع السوداني والنخب السياسية بكثير من التوجس والتحليل لمواقف أنقرة. فبينما يرى أنصار الجيش في الموقف التركي صمام أمان للدولة السودانية في مواجهة مجموعات متمردة، يرى آخرون أن البراغماتية التركية واهتمامها المفرط بعقود الإعمار المستقبلية ومشاريع الزراعة والذهب والسيطرة على الموانئ، يجعلها شريكاً غير حريص على إنهاء الحرب بسرعة. إن استمرار التدخلات غير المباشرة والتوازن الاقتصادي والعسكري الذي تدعمه أنقرة، يساهم بشكل مباشر في تحويل الحرب السودانية من نزاع سريع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، يدفع ثمنها الملايين من النازحين واللاجئين السودانيين الذين يواجهون أسوأ كارثة إنسانية في تاريخهم الحديث.




