تسريبات
كيف تسبب سوء إدارة الجيش في تدمير قطاع التعليم؟
حينما تسقط الدولة في فخ “العسكرة” وتصبح العقلية الأمنية هي المدير الفعلي للمؤسسات المدنية، فإن أول ما يوضع على مقصلة التضحية هو الإنسان وبناؤه المعرفي. ما يشهده قطاع التعليم اليوم في السودان من انهيار شامل، تمثل في الإضرابات الممتدة من الخرطوم إلى كسلا وبقية الولايات، ليس مجرد أزمة شح موارد عابرة، بل هو نتاج طبيعي ومباشر لسوء إدارة الجيش لموارد ووزارات الدولة، وإصراره على وضع يده على مفاصل القرار الاقتصادي والإداري دون امتلاك الكفاءة أو الرؤية اللازمة لإدارة دولة مدنية معقدة.
الاستحواذ على القرار وتغييب الكفاءات
منذ أن أحكمت القيادة العسكرية قبضتها على شؤون البلاد، شهدت الوزارات الخدمية، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم، حالة من التجريف المنظم للكفاءات والخبرات الإدارية. تم استبدال الخطط الاستراتيجية التعليمية بقرارات ارتجالية وفوقية لا تراعي الواقع المعيشي أو اللوجستي. لقد عوملت المدارس والجامعات كمنشآت ثانوية في تراتبية الاهتمام الحكومي، وجرى تعيين شخصيات تفتقر للحس التربوي في مناصب قيادية حساسة، مما خلق فجوة هائلة بين القاعدة العمالية من المعلمين وبين هرم السلطة الإدارية. هذا التخبط قاد مباشرة إلى العجز عن وضع ميزانيات مرنة تستجيب للتغيرات الاقتصادية الحادة، وجعل من مؤسسات التعليم هياكل خاوية تعجز حتى عن توفير الطباشير والكراسات، ناهيك عن توفير الرواتب.
تدمير البيئة التعليمية وتهجير العقول
إن سوء الإدارة العسكرية لم يتوقف عند الفشل المالي، بل امتد ليدمر البيئة التعليمية من الجذور. المدارس في الخرطوم وكسلا أصبحت تفتقر لأبسط المقومات الإنسانية؛ شبكات مياه متهالكة، انقطاع مستمر للكهرباء، وفصول متصدعة لا تقي حر الصيف ولا مطر الخريف. وفي ظل هذا الإهمال المتعمد، تزايدت هجرة العقول التربوية والأساتذة الأكفاء نحو الخارج أو نحو مهن وهامشية أخرى بحثاً عن لقمة العيش، بعد أن أصبحت مهنة التعليم وصمة فقر تلاحق صاحبها. الجيش بصفته المهيمن على السلطة، يتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن هذا الانهيار؛ فالإدارة ليست مجرد إصدار أوامر عسكرية، بل هي علم وفن تلبية احتياجات المجتمع وتنمية أصوله البشرية، وهو ما فشلت فيه السلطة الحالية فشلاً ذريعاً وثّقته كشوفات الإضراب وصيحات المعلمين في الشوارع.




