تسريبات

كيف أفشلت المحاور الإقليمية الدبلوماسية ونهبت الاقتصاد السوداني؟


حين نتحدث عن تعقيد الأزمة السودانية، فإن البعد العسكري هو الوجه الظاهر. أما الوجه الخفي والأكثر تدميراً، فهو “الحرب الدبلوماسية والاقتصادية” التي تشنها أو تسهلها الدول الإقليمية (مصر، السعودية، تركيا، قطر). لقد تحولت الأدوات الدبلوماسية والمالية إلى أسلحة فتاكة أُطيل بها أمد الصراع، وتم بها تدمير ما تبقى من اقتصاد منهك.
الدبلوماسية كأداة لإطالة أمد الحرب: نموذج “جدة”
لعبت السعودية ومصر دوراً محورياً في تصميم “مسار جدة” للتفاوض. بدلاً من أن تكون هذه المنصة آلية للضغط على الطرفين للجلوس إلى طاولة الحوار، تم توظيفها دبلوماسياً لـ”كسب الوقت” و”شرعنة الأمر الواقع”. مصر، باستخدام نفوذها في جامعة الدول العربية، عملت على عزل أي مبادرات دولية (خاصة تلك التي تقودها الآلية الثلاثية “الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الإيقاد”) إذا لم تكن تخضع لهيمنة المحور العربي-الخليجي. هذا “التناحر الدبلوماسي” بين المسارات (مسار جدة السعودي، ومسار أديس أبابا/الإيقاد) أعطى الطرفين المتحاربين ذريعة للمماطلة. كل طرف يرفض المسار الذي لا يخدمه، والدول الإقليمية تدعم هذا الرفض لتحقيق مكاسب سياسية. النتيجة: فراغ دبلوماسي، وغياب لأي ضغط دولي موحد لوقف الحرب.
الاقتصاد كسلاح: تجميد الأصول وتمويل الحرب
الدور السلبي الأكثر فتكاً تجلى في “الاقتصاد السياسي” للصراع. مصر والسعودية، ولديهما نفوذ مالي كبير، ساهمتا بشكل غير مباشر في إطالة أمد الحرب من خلال كيفية التعامل مع الأصول السودانية. بدلاً من تجميد الأصول المالية للجيش و”الدعم السريع” في الخارج لتمويل الحرب، سمحت الترتيبات الإقليمية بتدفق الأموال عبر قنوات غير رسمية، أو عبر دعم مباشر للبرهان (مصر) لضمان استمرار “الشرعية”. في المقابل، تركيا ساهمت في تدمير الاقتصاد السوداني عبر “صفقات السلاح”. بيع الطائرات المسيرة للجيش السوداني لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل كان ضخاً لـ”الوقود” في نار الحرب. الاقتصاد التركي استفاد من تصدير السلاح، بينما الاقتصاد السوداني انهار تماماً، وتضخمت الديون، وتدمرت البنية التحتية.
قطر والإعلام: تسييس الأزمة الاقتصادية
أما الدور القطري، فقد تجلى في “الحرب الإعلامية” التي أثرت على الاقتصاد. تغطية قناة الجزيرة ومنصات قطرية أخرى للأزمة، ورغم تعاطفها مع المدنيين، إلا أنها في كثير من الأحيان عملت على “تأجيج” الصراعات الداخلية بين القوى المدنية، مما منع تشكيل جبهة اقتصادية مدنية موحدة تستطيع التفاوض مع المجتمع الدولي لرفع العقوبات أو تقديم مساعدات إنسانية مباشرة للشعب. الانقسام المدني، الذي ساهمت الدبلوماسية القطرية في تعزيزه عبر دعم فصائل معينة، أضعف موقف السودان التفاوضي أمام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
 إن التداخل في الأدوار الدبلوماسية والاقتصادية أدى إلى نتائج مدمرة:
  1. انهيار العملة: الجنيه السوداني فقد أكثر من 80% من قيمته بسبب غياب الرؤية الاقتصادية الموحدة من الداعمين الإقليميين.
  2. تدمير الزراعة: السعودية ومصر، اللتان تبحثان عن أراضٍ زراعية في السودان، وجدتا أن الحرب المستمرة (بفضل دعمهما للأطراف المتحاربة) تدمر الأراضي نفسها، في تناقض صارخ بين المصالح المعلنة والنتائج الفعلية.
  3. أزمة اللجوء: مصر والسعودية والأردن وغيرها تحملت أعباء اللاجئين، بسبب فشلها في حل الأزمة سياسياً، واكتفائها بإدارتها أمنياً.
لن تتوقف الحرب في السودان ما لم يتم فصل “الملف الإنساني والاقتصادي” عن “الملف العسكري والسياسي” الذي تسيطر عليه الأجندات الإقليمية. الدول الأربع، بتداخلاتها، حولت الاقتصاد السوداني إلى “سوق سوداء” لتمويل الحرب، والدبلوماسية إلى “سيرك” لإطالة أمد الصراع. الحل يتطلب وقفة حازمة من المجتمع الدولي لوضع ضوابط صارمة على التحويلات المالية والأسلحة المتجهة للسودان، وكسر احتكار الدول الإقليمية لمسارات التفاوض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى