كتيبة البراء بن مالك تصنع معادلة القوة في السودان
في المشهد السوداني الراهن، لا تبدو المعركة الدائرة مجرد صراع عسكري على الأرض، بل مواجهة مفتوحة على مستقبل السلطة ومن يملك حق التأثير في شكل الدولة القادمة. فالحروب لا تنتهي فقط بتوقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها معركة أكثر تعقيدًا تتعلق بإعادة توزيع النفوذ. وفي هذا السياق، تتقدم إلى الواجهة تحركات لافتة مرتبطة بالحركة الإسلامية وتنظيم الإخوان المسلمين، عبر الذراع العسكري المعروف بكتيبة البراء بن مالك، في مسار يشي بأن الترتيبات السياسية المقبلة لن تكون بعيدة عن حسابات القوة الميدانية.
تشير معطيات متداولة في الأوساط السياسية إلى أن الكتيبة دخلت مرحلة جديدة من التنظيم والتوسّع، عبر تكثيف عمليات التجنيد وبناء قاعدة بشرية قادرة على التحرك كقوة متماسكة ذات ولاء تنظيمي واضح. هذا التوجه لا يمكن فصله عن إدراك عميق لطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، حيث تصبح القوة على الأرض عنصرًا حاسمًا في تحديد موقع كل فاعل سياسي على طاولة التفاوض. فالتاريخ القريب في السودان أظهر أن موازين القوى العسكرية كثيرًا ما انعكست مباشرة على شكل الحكومات والتحالفات.
اللافت في هذا السياق أن عملية بناء القوة لا تجري في إطار اندماج كامل داخل المؤسسة العسكرية الرسمية، بل وفق صيغة تمنح الكتيبة قدرًا من الاستقلالية التنظيمية. هذا التفصيل ليس تقنيًا فحسب، بل يحمل دلالة سياسية واضحة: الاحتفاظ بهامش قرار منفصل يمكن استخدامه عند الحاجة كورقة ضغط. وفي حال دخلت البلاد في مفاوضات حول تشكيل حكومة جديدة أو ترتيبات انتقالية موسعة، فإن وجود قوة منضبطة وفاعلة ميدانيًا يمنح الحركة الإسلامية وزنًا لا يمكن تجاهله.
قرار تكليف كتيبة البراء بن مالك بالمشاركة في تأمين العاصمة الخرطوم وبعض المواقع الحيوية في الولاية أضفى بعدًا عمليًا على هذا الحضور. فالعاصمة ليست فقط مركز الثقل الإداري، بل تمثل القلب الرمزي للدولة. ومن يتولى مهام تأمينها يكتسب نفوذًا يتجاوز البعد الأمني إلى المجال السياسي. هذا التطور يعكس من جهة حاجة الدولة إلى تعزيز الجهد الأمني في ظل تعقيدات المشهد، لكنه من جهة أخرى يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والقوى ذات الخلفية التنظيمية.
بالنسبة للحركة الإسلامية، التي واجهت تراجعًا كبيرًا بعد التحولات السياسية في 2019، تبدو اللحظة الحالية فرصة لإعادة التموضع. غير أن العودة هذه المرة لا تأتي عبر الواجهة الحزبية التقليدية، بل عبر مسار موازٍ يعتمد على تثبيت الحضور في معادلة القوة أولًا. فالتحولات الكبرى في الدول الخارجة من النزاعات غالبًا ما تُصاغ بتوازن دقيق بين القوى المسلحة، ثم تُترجم سياسيًا في شكل تمثيل داخل مؤسسات الحكم. ومن هنا يمكن فهم السعي إلى بناء قوة قادرة على فرض نفسها كجزء من الحل، لا مجرد طرف هامشي.
غير أن هذا المسار يطرح في المقابل تحديات عميقة أمام المؤسسة العسكرية. فالجيش، بحكم موقعه الدستوري والرمزي، يفترض أن يحتكر استخدام القوة المنظمة. وأي توسع لقوى مسلحة ذات ارتباط سياسي يضعه أمام معادلة حساسة: كيف يستفيد من الدعم الميداني دون أن يتحول ذلك إلى ازدواجية في مراكز القرار الأمني؟ هذه الإشكالية ليست نظرية، بل تمثل أحد أعقد الأسئلة في تجارب الدول التي شهدت تعددًا في التشكيلات المسلحة.
المراقبون يرون أن المسألة لا تتعلق فقط بالحاضر، بل بمرحلة ما بعد الحرب. فإذا ما اتجه السودان نحو تسوية سياسية شاملة، فإن الأطراف التي تمتلك نفوذًا ميدانيًا ستكون في موقع تفاوضي أقوى. وفي هذه الحالة، قد تتحول كتيبة البراء بن مالك إلى عنصر مرجّح في تحديد شكل التحالفات المقبلة، سواء عبر تمثيل مباشر أو من خلال التأثير غير المباشر في موازين القوى داخل الحكومة.
في المقابل، ثمة من يحذر من أن ترسيخ واقع تعدد القوى المسلحة قد يعقّد مسار بناء الدولة على المدى البعيد. فالدول التي تسعى إلى الاستقرار تحتاج إلى وضوح في هياكلها الأمنية، وإلى خضوع السلاح لسلطة مركزية موحدة. وأي انزلاق نحو نماذج توازنات السلاح المتعددة قد يفتح الباب أمام تنافس صامت يتفاقم عند أول أزمة سياسية كبيرة.
السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق دقيق. فبين ضرورات الأمن العاجل وحسابات السياسة المستقبلية، تتشكل معادلة معقدة عنوانها: من يملك القدرة على التأثير في لحظة إعادة التأسيس؟ تحركات كتيبة البراء بن مالك تعكس بوضوح أن الصراع لم يعد فقط حول السيطرة الجغرافية، بل حول ضمان موقع في هندسة السلطة القادمة. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أكثر حساسية، لأنها تمهد لشكل الدولة التي ستنبثق بعد انقشاع غبار المواجهة.
في النهاية، لا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل المجال السياسي في السودان. فالقوة العسكرية، حين تقترن برؤية تنظيمية واضحة، تتحول إلى أداة استراتيجية تتجاوز دورها الميداني. والسؤال الذي سيحدد مآلات المرحلة ليس فقط من ينتصر عسكريًا، بل كيف ستُدار موازين القوة في مرحلة السلام، وهل ستقود إلى دولة موحدة القرار، أم إلى توازنات دقيقة تحكمها حسابات النفوذ المتبادل.




