تشهد منطقة القرن الأفريقي مرحلة من إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث تتحرك الدول وفق حسابات أمنية معقدة تتجاوز الأطر التقليدية للعلاقات الثنائية. وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات على توجه السودان نحو توسيع خياراته الإقليمية في مواجهة التوترات المتزايدة مع إثيوبيا، من خلال بناء قنوات تواصل مع أطراف إثيوبية غير حكومية، وفي مقدمتها قوى مرتبطة بإقليم تيغراي. ورغم غياب تأكيدات رسمية حول طبيعة هذه التحركات، فإن القراءة الأمنية تشير إلى أنها تندرج ضمن نمط أوسع من سياسات الردع غير المباشر التي باتت سمة بارزة في تفاعلات المنطقة.
البيئة الأمنية التي تحيط بالسودان خلال المرحلة الحالية تفرض على مؤسساته العسكرية تبني مقاربات متعددة المستويات لإدارة التهديدات المحتملة. فالعلاقة مع إثيوبيا لم تعد تقتصر على الخلافات الحدودية أو الملفات السياسية، بل أصبحت جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بتوازن النفوذ في القرن الأفريقي، خاصة في ظل تزايد التنافس الإقليمي على الموارد والممرات الحيوية.
من منظور أمني، يعتمد مفهوم الردع غير المباشر على امتلاك أدوات تأثير خارج نطاق المواجهة التقليدية، بما يتيح توجيه رسائل ضغط دون الدخول في صدام مباشر. وتشمل هذه الأدوات بناء شبكات علاقات سياسية، وتعزيز قنوات الاتصال مع فاعلين محليين داخل الدول المنافسة، وتوسيع نطاق الرصد الاستخباراتي في المناطق ذات الحساسية الاستراتيجية. وفي حالة السودان، يرى محللون أن أي انفتاح على أطراف داخل إثيوبيا يأتي في إطار هذا النهج الاحترازي، الذي يهدف إلى خلق توازن ردع في ظل استمرار الخلافات الثنائية.
إقليم تيغراي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية داخل إثيوبيا، نظرًا لتاريخه السياسي والعسكري وتأثيره على التوازنات الداخلية. ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف القتال، فإن إعادة بناء الثقة بين الحكومة الفيدرالية والقوى المحلية في الإقليم لا تزال عملية معقدة وتدريجية. ولذلك، فإن أي اهتمام إقليمي بهذا الملف يُنظر إليه في أديس أبابا باعتباره عاملًا قد يؤثر على الاستقرار الداخلي، حتى لو اقتصر على مستويات سياسية أو غير رسمية.
القراءة الاستخباراتية لهذه التطورات تشير إلى أن المرحلة الحالية تتسم بما يمكن وصفه بـ”إدارة الاحتمالات”، حيث تسعى الدول إلى بناء خيارات متعددة دون تفعيلها بالضرورة. فامتلاك قنوات اتصال أو معلومات ميدانية لا يعني استخدام هذه الأدوات بشكل مباشر، لكنه يمنح صانع القرار هامشًا أكبر للمناورة في حال تصاعد التوتر أو تغيرت الظروف الإقليمية.
لكن هذا النوع من السياسات يحمل في الوقت ذاته مخاطر تراكمية. فالدول المستهدفة غالبًا ما تتعامل مع أي تحركات من هذا النوع باعتبارها تهديدًا محتملاً، ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات مضادة تشمل تعزيز الوجود العسكري، أو توسيع نشاطها الاستخباراتي في الاتجاه المقابل، أو بناء علاقات مع أطراف داخل الدولة المنافسة. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا النمط من التفاعلات إلى خلق بيئة من الشك المتبادل يصعب احتواؤها.
المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا تمثل نقطة ارتكاز أساسية في هذه المعادلة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع العوامل الاقتصادية والاجتماعية. وأي تصعيد في مستوى التوتر، حتى وإن كان غير مباشر، قد يؤدي إلى زيادة القيود الأمنية، ما ينعكس على حركة السكان والتجارة ويزيد من هشاشة الاستقرار المحلي.
في الوقت نفسه، تشير التقديرات إلى أن الطرفين لا يزالان حريصين على تجنب المواجهة المباشرة، نظرًا للكلفة العالية التي قد تترتب عليها. فالسودان يواجه تحديات داخلية تتطلب تركيز الموارد على الاستقرار الداخلي، بينما تعمل إثيوبيا على إدارة مرحلة إعادة التوازن بعد سنوات من الاضطرابات الداخلية. هذا الإدراك المتبادل يجعل من المرجح استمرار الصراع في مستواه المنخفض، عبر سياسات ردع ورسائل متبادلة دون تجاوز الخطوط الحمراء.
العامل الدولي يلعب دورًا مهمًا في ضبط هذه التوازنات، حيث تتابع القوى الكبرى والمنظمات الدولية أي مؤشرات على تصعيد في منطقة القرن الأفريقي، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية المرتبطة بأمن البحر الأحمر والممرات التجارية العالمية. ويؤدي هذا الاهتمام إلى ضغوط غير مباشرة على الأطراف لتجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي.
من زاوية مستقبلية، يمكن القول إن ملف تيغراي سيظل عنصرًا حساسًا في معادلة الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة، ليس فقط بسبب أبعاده الداخلية الإثيوبية، بل أيضًا بسبب قابليته للاستخدام كعامل ضغط في سياق التنافس الإقليمي. غير أن فعالية مثل هذه الأدوات تبقى محدودة مقارنة بالمخاطر التي قد تنجم عن فقدان السيطرة على تطوراتها الميدانية.
السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار ما يمكن وصفه بـ”توازن القلق”، حيث يحتفظ كل طرف بخيارات متعددة دون تفعيلها بشكل مباشر، مع الحرص على تجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة. أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في حدوث تصعيد غير مقصود نتيجة سوء تفسير لتحركات الطرف الآخر، وهو احتمال يزداد في ظل غياب قنوات اتصال أمنية فعالة بين الجانبين.
في المحصلة، تعكس التحركات المرتبطة بملف تيغراي طبيعة المرحلة الأمنية التي تمر بها منطقة القرن الأفريقي، حيث تتراجع المواجهات التقليدية لصالح صراعات النفوذ غير المباشر وإدارة التوازنات الدقيقة. وبينما توفر هذه المقاربة قدرًا من المرونة لصناع القرار، فإن نجاحها يعتمد على قدرتهم على منع تحول سياسات الردع إلى دوامة من التصعيد المتبادل.
ويبقى التحدي الأكبر أمام السودان وإثيوبيا هو الانتقال من منطق إدارة التهديد إلى منطق إدارة المصالح، عبر بناء آليات تواصل وتعاون تقلل من احتمالات سوء التقدير وتفتح المجال أمام استقرار طويل الأمد. فاستقرار العلاقات بين البلدين لا يمثل فقط مصلحة ثنائية، بل يشكل أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها، التي تقف اليوم بين خيار التهدئة الاستراتيجية أو الانزلاق التدريجي نحو صراع نفوذ مفتوح يصعب احتواء تداعياته لاحقًا.




